مقالات الكاتب الصحفي الأستاذ محمد عادل التريكي

17 mars 2010

أي دور لرجال الفكر والثقافة في السياسة المعاصرة؟

يكثر الجدل حول الدور الذي أصبح يلعبه السياسيون في حياتنا المعاصرة أمام تراجع دور أهل الفكر والثقافة في تشكيل عالمنا الذي نعيشه.

في فترات مختلفة من التاريخ الإنساني منذ الصياغات الأولى للتفكير الفلسفي عند اليونان وحتى بدايات القرن العشرين, لعب المفكرون والفلاسفة والمثقفون دورًا بارزًا في قيادة مجتمعاتهم وتطويرها, بل ووجهوا السياسيين في أنحاء كثيرة من المعمورة. فقد كان أرسطو مستشارًا للإسكندر الأكبر وديكارت مقرّبًا من ملكة السويد وفرانسيس بيكون جزءًا من البلاط الملكي الإنجليزي... وغيرهم من الفلاسفة الذين كانوا عونًا وموجهين للعديد من القيادات السياسية. بيد أن هذا الدور تراجع كثيرًا منذ منتصف القرن العشرين, وأصبحنا اليوم في عالم يقوده السياسيون والمصالح السياسية. فما التطورات والعوامل التي أدت إلى ذلك?

الفكر يقود

كانت السياسة واحدة من بين القضايا المهمة التي تناولها الفلاسفة اليونان بالنقد والتحليل. وقد شهدت أثينا أول مظاهر للديمقراطية, وطرح الفلاسفة العديد من الآراء السياسية التي اعتبرت البدايات الأولى لصياغة الفكر السياسي الغربي, فها هو أفلاطون يطرح في محاورة (الجمهورية) أول نظام سياسي للمدينة الفاضلة, ويليه أرسطو وغيره من الفلاسفة اليونانيين الذين أثروا العالم القديم بأفكارهم الفلسفية والتي ألقت بظلالها على طابع التفكير الديني الذي ساد في العصر الوسيط في العالمين الإسلامي والمسيحي. ومثلت الأديان السماوية فكرًا دينيًا متكاملاً تشكل بناء عليه طبيعة المجتمع ونظامه السياسي وقيم أفراده وبشكل عام ثقافته بشتى مظاهرها. وقد لعبت على وجه الخصوص أفكار الفيلسوفين اليونانيين أفلاطون وأرسطو دورًا بارزًا في السجالات الفكرية الدينية, إذ تم تبنّي الكثير من أفكارهما والمناهج الفكرية التي عملت كأدوات للجدل الفكري الديني والسياسي والأخلاقي وغيره عند فلاسفة العصر الوسيط المسلمين أو المسيحيين. فعلى سبيل المثال سيطرت أفكار أرسطو بشكل كبير على أوربا والتي تبنتها الكنيسة المسيحية. وفي العالم الإسلامي قام الفارابي بمحاكاة مدينة أفلاطون الفاضلة, واعتبر ابن رشد أيضًا واحدًا من أبرز شراح أرسطو في العصر الوسيط. ولمدة ألفي عام تقريبًا, أي منذ ظهور التفكير الفلسفي تشكل العالم القديم بناء على الفلسفة والفكر الديني, أي أن الفكر كان له اليد العليا, وكان ذلك على حساب العديد من المظاهر السياسية والاقتصادية وغيرها.

ومع دخول عصر النهضة, أصبحت أوربا أمام وضع جديد بعد انهيار سلطة الكنيسة التي لم يكن انهيارها سياسيًا فقط, بل ثقافي أيضًا, بمعنى أنه انهارت الثقافة التي أنتجتها على مدى القرون السابقة, والتي شكلت رؤية الإنسان وثقافته وتفسيره للعالم ولمصيره...إلخ. وأخذت تحل محلها الثقافة القائمة على التفسير العلمي لظواهر الطبيعة, وحدثت تحوّلات اقتصادية كبرى حيث حلت الرأسمالية بالتدريج محل النظام الإقطاعي القديم, وأصبحت المدن لا الأرياف مركز القوة الاقتصادية ومن ثم السياسية. ومنذ القرن السادس عشر وحتى نهايات القرن التاسع عشر, عاشت أوربا تحوّلات فكرية عميقة عكست نفسها على كثير من مظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويمكن تلخيص أبرز العوامل التي جعلت من هذه الفترة محط سجال فكري محتدم ألقى بظلاله على الجوانب السياسية والثقافية.

وأول ما تجدر الإشارة إليه هو طبيعة الصراع الذي نتج بعد انهيار السلطة السياسية للكنيسة المسيحية. فبعد التطورات التي حدثت في العلم كان السجال الفكري محتدمًا بين رجال الدين والمفكرين المسيحيين من جهة والعلماء والفلاسفة والمثقفين من جهة أخرى طيلة القرون التي تلت ذلك الانهيار, أي أن الصراع كان صراعًا فكريًا بالدرجة الأولى بين طريقتين من التفكير, الأولى وهي الطريقة الدينية الغائية ذات الطابع الميتافيزيقي, والثانية الطريقة العلمية الآلية ذات الطابع الواقعي. فطيلة أربعة قرون كان الصراع محتدمًا إلى أن جاء القرن التاسع عشر الذي تقدم خلاله العلم كثيرًا وظهرت نظريات علمية كان لها عميق الأثر على الديانة المسيحية. فحسمت تلك النظريات الجدل الفكري الذي ساد طيلة القرون السابقة لمصلحة الطريقة العلمية من التفكير.

أما الأمر الثاني, في هذه الفترة أعيد تأسيس العقل الإنساني على أسس فكرية جديدة تختلف عن الطريقة التي سادت في العصور الوسطى. فمع بروز العلم وتطوره عبر المناهج العلمية التجريبية والرياضية تمكن العلماء من تحقيق الكثير من الاكتشافات والحقائق العلمية التي ساهمت في تطوير وخلق السبل التي تسهل أمور حياة الإنسان وتطورها. وقد استدعى ذلك إعادة النظر في الطبيعة والكون والحياة وإعادة تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية والإنسانية بطرق وأساليب فكرية جديدة تختلف عن التفسيرات السابقة. وقد توجت تلك العملية بالوصول إلى عصر التنوير أو الأنوار, والذي سادت به نزاعات ثلاثة مهمة وهي العقلية والعلمية والإنسانية والتي تعكس الأبعاد التي ساهم العلم فيها بإعادة بناء العقل والفكر الإنساني من جديد على أسس مادية وواقعية قادته لإحداث تطورات مهمة في مسيرة الحضارة الإنسانية التي قطف ثمارها القرن العشرون.

أما العامل الثالث, فيعود لقوة العلاقة بين الفلسفة أو الفكر بشكل عام والسياسة التي تميّزت بها هذه المرحلة بالفعل. فانهيار سلطة الإقطاع والكنيسة المتحالفة معها والتحول إلى المدن وظهور الرأسمالية وفر الأرضية لإعادة صياغة طبيعة الدولة في أوربا. وقد تميزت هذه المرحلة بنشاط فلسفي وفكري كبير قاده الفلاسفة والمفكرون عبر طرح العديد من الأفكار حول هيكلية الدولة وعلاقة السلطة بالمواطنين وحقوقهم وواجباتهم والطريقة التي تتم من خلالها ممارسة الحكومة لسلطاتها وطريقة اختيارها وقيام التعددية في المجتمع على أنقاض الدولة ذات الطابع الديني الواحد. فنجد آراء جديدة للفلاسفة أمثال جان جاك روسو, جون لوك, مونتسيكو, توماس هوبز, جون ستيوارت ميل, ديدرو, والقائمة تطول بالأسماء, يطرحون الأفكار والأسس التي تقوم عليها الدولة وعلاقتها بمواطنيها كفكرة العقد الاجتماعي والنظام الديمقراطي وطريقة الانتخاب واحترام حقوق الإنسان وتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية في المجتمع وغيرها من الموضوعات التي شكلت محور الجدل الفكري السياسي في تلك الفترة. وقد نتج عن ذلك أن ساهم الفلاسفة والمفكرون في عملية بناء النظام السياسي الذي يقوم على التعددية الحزبية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والشخصية والتداول الديمقراطي للسلطة الذي تميزت به أوربا الغربية والغرب, وعمومًا عن غيره من الأنظمة في العالم. أي أن العلاقة بين الفلاسفة والسياسيين وصلت إلى ذروتها, وكان الدور الذي يلعبه الفلاسفة في التكوين السياسي للدولة وسياستها على قدر كبير من الأهمية. أما آخر أبرز العوامل في هذا الشأن فيتعلق بظهور المذاهب الشمولية الكبرى في الفلسفة التي وصلت إلى ذروتها في القرن التاسع عشر في مذهبي هيجل وماركس. ففي هذه المذاهب أصبح الترابط بين الفكر والسياسة واضحًا إذ قدمت تصوّرات شمولية لواقع الحياة ومسيرة البشرية عبر أفكار شمولية لواقع الحياة السياسي والاقتصادي والاجتماعي, أي أن هذه المذاهب تميزت بالنظرة الشمولية للحياة من منظور معين سواء عقلي عند هيجل أو مادي عند ماركس ارتكز عليهما الفلاسفة في تفسير الواقع الإنساني برمته لدرجة وصلت إلى التنبؤ بالمستقبل عبر تغيرات حتمية لها طابعها السياسي والاقتصادي, وقد هيمنت هذه المذاهب على القرن التاسع عشر (هيجل) وكان لها حضورها القوي في القرن العشرين (ماركس).

إن ما سبق ذكره من عوامل يمثل أبرز الجوانب التي دفعت بالعلاقة الراسخة بين أهل الفكر والسياسة والذي نتج عنه الشكل الحضاري الإنساني الذي نراه اليوم في بناء النظم السياسية التي تقوم على التعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان, فمنذ ظهور الفلسفة في العصر اليوناني وحتى نهاية العصر الحديث كان الدين والفكر الفلسفي محورين مهمين من محاور الحضارة الإنسانية شكلا رؤية الإنسان للعالم ومن ثم طريقة حياته وثقافته, ولكن مع نهايات القرن التاسع عشر أخذت الفلسفة منحنى جديدًا تمخضت عنه تحولات كبرى في طابعها ومناهجها, بل وقضاياها, فحدثت تغيرات في طابعها وعلاقتها مع ضروب أخرى من المعرفة بعد أن تحولت معظم المذاهب الفلسفية للتعددية وأخذت تركز على العالم الواقعي وجزئياته.
من الفكر إلى الواقع المادي
لاشك في أن التحولات التي حدثت في طابع التفكير الفلسفي منذ نهاية القرن التاسع عشر كان لها تأثيراتها التي امتدت إلى جميع مظاهر الحياة والثقافة الإنسانية. فقد شكل هذا التحول ضربة قاصمة لطبيعة الفكر الفلسفي الشمولي. فنتيجة للتطورات الهائلة التي حدثت في المجتمع الإنساني من شتى النواحي أصبح من الصعب أن يتم تفسير العالم أو الوجود من منظور واحد أو نظرية أو مذهب فكري واحد يطبق على كل مجتمعات وثقافات العالم, إذ أصبح التفاوت واضحًا بين المجتمعات الإنسانية التي تعقدت فيها ظروف المعيشة وتطورت بشكل جعل من التجديد الثقافي والفكري ضرورة لا مفر منها. فطريقة التفكير التي سادت معظم القرن التاسع عشر لم تعد تصلح للقرن العشرين الذي شهد أضخم التطورات العلمية في شتى فروع المعرفة الإنسانية.
ولعله لا يخفى على أحد أن القرن العشرين شهد صراعًا أيديولوجيًا كبيرًا بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي ظل عقودًا عدة إلى أن انتهى بتفكك الاتحاد السوفييتي في بداية العقد الأخير من القرن نفسه. فعلى الرغم من أن الطابع العام للفلسفة الماركسية كان على عكس تيار الفكر الفلسفي المعاصر القائم على التعددية, فإنها سجلت انتشارًا كبيرًا لا لشيء إلا لكونها جزءًا من نظام اقتصادي وسياسي ساهم بانتشارها في العديد من بقاع المعمورة. فقد تم بناء الدول الاشتراكية على أسس أيديولوجية فكرية قائمة على أساس الفكر الماركسي المستند إلى دكتاتورية الطبقة العاملة, وصيغت العديد من سياسات هذه الدول بناء على المنطلقات الفكرية اليسارية, واستقطبت قطاعًا كبيرًا من حركات التحرر في العالم الثالث. لكن ما لبث هذا الزخم الكبير أن تراجع ثم انهار في مقابل تقدم النظام الرأسمالي الذي يكاد أن يكون الآن النظام الوحيد في عالمنا. وفي هذا الصدد هناك أمران مهمان لعبا دورًا أساسيًا في انهيار التجربة الاشتراكية من زاوية فكرية, من عوامل أخرى عدة بالطبع, وهما الجمود العقائدي وعدم الواقعية. فقد تسبب الجمود العقائدي في الدول الاشتراكية السابقة في توقف التطور الفكري ومن ثم السياسي في هذه الدول, وتحولت إلى أنظمة قمعية تعاملت مع أي دعوة للإصلاح السياسي أو التطوير الفكري على أنها انحراف يصل أحيانًا إلى حد الخيانة للمبادئ الاشتراكية, وقد نتج عن ذلك جمود أي محاولة لتطوير هذا النظام على أسس فكرية أو فلسفية تتماشى مع التطورات الكبرى التي حدثت خلال القرن العشرين. فقد كان من الممكن أن تمثل هذه التجربة الوليدة للنقاش الفكري والفلسفي لتشكيل وتطوير الدول على مبادئ الاشتراكية مثلما كان الأمر مع تحول المجتمع الأوربي في نهايات العصر الوسيط من الإقطاع إلى الرأسمالية, حيث لعب الفلاسفة والمفكرون السياسيون دورًا مهمًا في تشكيل طبيعة النظام الديمقراطي الرأسمالي وصولاً إلى شكله الحالي. ووقف الجمود العقائدي أيضًا عقبة أمام الاستفادة من التراث الفلسفي السياسي الغربي وتطويره بما يتماشى مع الدولة المعاصرة والاستفادة من جوانب كثيرة من النظام الرأسمالي في خدمة النظام الاشتراكي, فقضى ذلك على إمكان استمرار دور المفكرين والفلاسفة في تطوير هذا النظام والمساهمة بشكل عام في توجيه السياسيين مثلما كان الأمر سابقًا. وساهم انهيار التجربة الاشتراكية في تراجع الدور الذي يمكن أن يلعبه الفكر على المستوى العالمي.

انهيار الحلم الاشتراكي

ومن جانب آخر كان لعدم واقعية الأيديولوجيا دور أيضًا في انهيار الجوانب الفكرية ذات البعد السياسي. فالفكر الاشتراكي كان يُمني معتنقيه بمجتمع عادل يدعو للقضاء على الطبقات ومن ثم إشاعة العدالة في المجتمع الذي سيسود فيه التآخي والمساواة وإلى آخره من المصطلحات الإنشائية. ومع مرور عقود من التطبيق لم يتحقق ذلك في الدول الاشتراكية. وأثبتت الأيام أن المجتمع الاشتراكي العادل ما هو إلا فكرة مثالية قامت عليها الأيديولوجيا بشكل نظري لا واقعي إذ تجاهلت الطبيعة الإنسانية بما فيها من نزعات من الخير والشر, وأصبحت الأيديولوجيا صحيحة من الجوانب النظرية والفكرية فقط, ولا أساس لها في الواقع, أي لا يمكن تحقيق النظام الأيديولوجي الفكري المتكامل إلا من ناحية نظرية وليس على أرض الواقع, إذ لا يمكن للفكر فقط تصنيع الواقع.

وأمام هذه النظرية المثالية تسيد العلم بواقعيته وأساليبه الإنتاجية والتكنولوجية القرن العشرين, فمن خلاله أصبح الإنسان يصنّع الواقع ويطوّره لا من ناحية الفكر فقط. ويتميز العلم بطابعه الموضوعي والمادي وغير المتعلق بأي جوانب عقائدية أو ذاتية, فهو يتطور بمنطقه لا بمنطق فكري خارجي. وقد حدثت التطورات العلمية المذهلة في شتى المجالات في العالم الغربي والرأسمالي, وأصبح العلم الأداة أو الوسيلة التي تتشكّل من خلالها المعرفة, ومن ثم الثقافة الإنسانية. وأصبح العلم مسئولاً عن ذلك لدرجة أن الابتكارات التي يتوصل إليها بشكل شبه يومي, أصبحت تقود الإنسان - إن جاز التعبير - إلى المجهول لأن الكثير منها بدأ في هز الأسس والقيم الثقافية الاجتماعية لشعوب عدة. هذه العوامل مجتمعة ساهمت خصوصًا في الربع الأخير من القرن العشرين في تراجع الاهتمام بالفكر والفلسفة ضمن النطاق العام, ومن ثم تأثير الفكر والمفكرين في عالم اليوم, عالم الشركات المتعددة الجنسية, عالم الخصخصة والثقافة المادية التي جلبتها وحولّت اهتمامات الأفراد من القيم الإنسانية والثقافية إلى عالم المال والمادة, عالم تحويل الدولة إلى شركة من الشركات الكبرى.

عالم الشركات العملاقة

دخل العالم في العقد الأخير من القرن العشرين مرحلة جديدة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية, وبدأ معه الحديث عن العولمة, هذه الظاهرة الآخذة بالتبلور بالتدريج والتي أصبح من الواضح أن الشركات العملاقة هي التي تقودها في هذه الآونة, الأمر الذي يتطلب توفير حماية سياسية لها لحل المشكلات التي قد تعترض طريقها في الانتشار في شتى أرجاء العالم. فالاتفاقات الاقتصادية والتجارية انتشرت في كل أرجاء المعمورة وصولاً إلى اتفاقية (الجات) التي تكاد تشمل كل العالم. ولاشك في أن هذه المرحلة اتضح فيها دور السياسيين بشكل كبير الذين أصبحوا يقودون العالم ويدافعون عن مصالح الشركات الكبرى. وقد تميزت هذه المرحلة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم الغربي, والتي انفردت بدور أساسي وقيادي بارز في العالم وأصبحت الدولة العظمى الوحيدة فيه.

ولاشك في أن قيادة واشنطن للعالم عززت من تراجع دور أصحاب الفكر بشكل كبير وذلك للأسباب التالية:

فالولايات المتحدة الأمريكية دولة حديثة جدًا بالمقارنة مع دول أوربا وتفتقر إلى بعد حضاري وثقافي كالذي حدث في أوربا منذ ظهور التفكير الفلسفي وإلى عهد قريب. فالتطورات الفكرية التي رافقت التطورات السياسية في أوربا لم تحدث فيها, بل جنى العديد من المفكرين والفلاسفة الأمريكيين ثمار الفكر الغربي السياسي بالدرجة الأولى وبنوا نظامًا ديمقراطيًا, لكن نشروا فيه ثقافتهم وفلسفتهم. فقد تميز التفكير الفلسفي الأمريكي بواحدة من أبرز الفلسفات المعاصرة وهي الفلسفة البراجماتية التي يرفض فلاسفتها الجوانب النظرية العقائدية والبديهيات الفكرية المسبقة, ويركزون في المقابل على الفعل, فتحول الاهتمام من النظري إلى العملي, ومن المنظومة الفكرية إلى الفكرة أو الهدف الواحد الذي يتحقق عن طريق الفعل. ومع مرور الوقت أصبحت روح المجتمع الأمريكي قائمة على هذه الفلسفة, فعكست نفسها على الجوانب السياسية فقدمت مصالحها السياسية وأمنها القومي على حساب أي جوانب فكرية أو ثقافية, وغابت عن السياسيين أي مبادئ أو قيم. في المقابل قدمت ثقافة استهلاكية لا تقوم على الفكر, بل على حاجات الإنسان الغريزية والكماليات, فحوّلت كل شيء, سواء كان ماديًا أو ثقافيًا, إلى سلعة. وأصبحت بذلك الذراع الحقيقية للقوة الاقتصادية للشركات المتعددة الجنسيات التي أضحت تتحكم في القرار السياسي في الدول الصناعية الكبرى التي تقود العالم. وهذه الشركات لا تتحدث بمنطق الفكر أو القيم أو المبادئ, بل بمنطق الربح والخسارة, وبلغة الأرقام التي يغيب عنها أي بعد إنساني. ففي سبيل استمراريتها وتحقيقها للأرباح تكون على أتم الاستعداد لخلق جيوش عاطلة عن العمل, بغض النظر عن الجوانب الأخلاقية والإنسانية التي يمكن أن تنتج عن ذلك. ومن جانب آخر, ولتغذية الروح الاستهلاكية في شعوب العالم تقوم العديد من الشركات بتشكيل جانب من إنتاجها بناء على ثقافات الشعوب الأخرى ومعتقداتها ومظاهر حياتها اليومية وحاجاتها. فنجد - مثلاً - الملابس وبعض أنواع الأغذية أو بعض الأدوات, أصبحت تنتجها شركات متخصصة تدرس ثقافات الشعوب وتشكّل بضائعها بناء عليها. فالمهم بالدرجة الأولى هو الاستهلاك والربح.

أي دور لرجال الفكر والثقافة?

إن التحوّلات التي يشهدها العالم اليوم والتي تتجه بشكل تدريجي ومتسارع نحو العولمة الاقتصادية, ومن ثم ما ينتج عنها من ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية لا يشير حاليًا إلى إمكان لعب رجال الفكر أو الفلاسفة دورًا يذكر, فنحن مازلنا في المراحل الأولى للعولمة والتي ستأخذ وقتًا لا بأس به حتى تتضح معالمها وتتبلور ركائزها وتصبح واقعًا فعليًا يصعب التخلص منه أو التراجع عنه. فلاشك في أن المرحلة الحالية تشهد نجاحات اقتصادية نتيجة لتوسع الشركات على مستوى العالم, واتساع الأسواق الاستهلاكية والنجاحات التي تحققها التكنولوجيا في إنتاج الأدوات التي أصبح لا غنى للإنسان عنها. ولم تستكمل النجاحات هذه دورتها الاقتصادية بعد حتى تتضح طبيعة العالم أو الواقع الجديد الذي ستخلقه التطورات الجارية. ويمكن القول بأنه في هذه المرحلة لا يوجد دور حقيقي أو فعلي يمكن أن يلعبه المفكرون أو الفلاسفة في عالم تقوده الماديات والربح والشركات, فكل شيء في التنمية والتطوير أصبح تقريبًا يعتمد على رجال الأعمال لا المفكرين, وعلى التقنيات لا الأفكار, وعلى الفعل والاستخدام العملي لا التأمل والتفكير النظري, وبشكّل عام على التكنولوجيا لا الإنسان. فعندما لعب المفكرون والفلاسفة في السابق دورًا مهمًا, كانت هذه قضايا ومشكلات حقيقية وتحوّلات كبرى في طبيعة المجتمع, وكان للإنسان دور فاعل فيه استوجبت ضرورة قيامهم بهذا الدور من أجل إحداث التغيرات الفكرية والثقافية, وتأسيس النظم السياسية, والتي ترافقت مع التغيرات المادية التي جاء بها العلم. أما اليوم, فنحن في عالم مختلف يكاد يختفي منه هذا الدور.

والسؤال الذي يتوارد للذهن هنا: هل سينتهي دور المفكرين والفلاسفة في الشأن العام أو العالمي, ويتم الاستغناء عن هذا الدور?

والإجابة عن هذا السؤال ما هي إلا تخمينات مبنية على توقعات شخصية لا دراسة علمية وتقوم على النفي. فإذا كان الدور الحالي محدودًا جدًا, فإن أصحاب الفكر والفلاسفة سيعودون إلى الطليعة التي تقود العالم من جديد لسببين مهمين, الأول: يتعلق بظهور مشكلات وقضايا جديدة ناتجة عن التحولات التي تحدث في عالمنا, والتي ستظهر بعد فترة من الآن, سواء كانت على الصعيد الاجتماعي أو الثقافي أو الإنساني. علاوة على التأثيرات التي سيتركها التقدم العلمي والتكنولوجيا على تفكير الإنسان, إذ ستهدم مسلمات قد نراها ثوابت في عالم اليوم وتغير من نظرتنا للعالم والكون, ويفتح الباب على مصراعيه للجدل والنقاش من أجل إعادة بناء العقل الإنساني من جديد بناء على مستجدات العلم وابتكاراته. يضاف إلى ذلك أنه ستظهر بالتأكيد علوم جديدة, تحتاج أسسها ومضامينها إلى بحث وتمحيص من قبل أهل الفكر والفلسفة لمعرفة مدى علاقتها بالجانب الإنساني والمجتمع بشكل عام. أما السبب الآخر, فيعود إلى أن المشكلات المستجدة والقضايا الاجتماعية والثقافية التي ستنتج في المستقبل لن تكون إقليمية, ويتطلب حلها جهدًا عالميًا, فمشكلة مثل التلوث لا يمكن أن تحل على مستوى إقليمي أو الانفجار السكاني أو المياه أو غيرها, بالإضافة إلى القضايا الأخلاقية والثقافية والاجتماعية التي نتجت عن التطور العلمي ستعيد – بلا شك - للمفكرين والفلاسفة الدور في صياغة وتشكيل الثقافة والقوانين التي يمكن أن تحمي الإنسان, وتعيد التوازن بينه وبين الطبيعة والتي تستدعي أيضًا نقاشًا عالميًا لا إقليميًا, ولعل ما نراه من مؤتمرات تعقد على مستوى العالم لمناقشة العديد من الأمراض أو المشكلات الطبيعية أو الإنسانية ما هو إلا مقدمة لاستعادة دور أهل العلم والثقافة والفكر الذي صادره السياسيون ورجال الأعمال الذين إن تركوا وحدهم يصوغون ويشكّلون العالم كما هو حادث حاليًا, فستدفع الإنسانية ثمنًا باهظًا في المستقبل.

Posté par triki à 10:21 - Commentaires [0] - Rétroliens [0]

أي منظور لمستقبل الهوية في مواجهة تحديات العولمة؟

تمهيد :

يثير موضوع الهوية والعولمة من الأسئلة أكثر مما يقدم من الأجوبة وهو -كالموضوعات التي لا تزال مصطلحاتها ومد لولاتها  في مرحلة التكون - يحتاج إلى التوقف عند الأسئلة التي يثيرها لعلها تفتح مغاليقه. وإذا كان الإسراع إلى الإجابة قد يوقع في الزلل، فإن التريث عند الأسئلة وتأملها قد يتيح مجالا للتأمل والتدبر، ولتحقيق ذلك ربما كان من الطبيعي لمن يبحث هذا الموضوع أن يتساءل :

  ما العولمة ؟ هل هي ظاهرة جديدة مستحدثة في هذه السنوات القريبة؟ أو أنها لفظ جديد للتعبير عن واقع قديم كان ملازما لجميع الحضارات الكبرى والإمبراطوريات العظمى التي استخدمت قوتها -خلال عصور التاريخ- لبسط نفوذها ونشر مبادئها وتحقيق مصالحها ؟

  فهل كان امتداد السيطرة الرومانية -مثلا- على العالم المعروف في زمانها، ونشر أنظمتها في الحكم وأنماط حياتها السياسية والاجتماعية والثقافية نوعا من العولمة ؟

  وماذا نسمي ما رسخته بريطانيا في الأقطار التي احتلتها والتي كانت لا تغيب عنها الشمس ؟ ألسنا نرى أن اللغة وأساليب التفكير وأنماط الحياة الإنجليزية لا تزال سائدة في أكثر تلك الأقطار ؟

  ألا يدل وجود منظمة الكومونولث على التشبث ببقايا ما كان ؟

  هل كل ذلك عولمة أو شكل من أشكالها ؟

وليس من الحتم أن تكون هاتان الحالتان وأمثالها في التاريخ متطابقة ليكون الجواب بالإيجاب، فضرب الأمثلة وتوضيح الأفكار يكفي فيهما التشابه والتقارب والقياس دائما مع الفارق.

وكذلك لابد لمن يتصدى لهذا الموضوع من أن يتساءل :

  هل العولمة في صورتها المعاصرة هي الأمركة؟ وإذا كانت كذلك، هل هي من أنواع الاستعمار الجديد الذي يتحقق دون وجود جيش محتل ؟

وهو سؤال يشتد الخلاف بين المجيبين عنه من مؤيد ومفند. ومن أجل ذلك يحتاج الجواب إلى قدر من التمحيص حتى تطمئن النفس إلى ترجيح يستند على مرجِّح واضح.

  وتساؤل ثالث..هل نستطيع حقا أن نفصل بين العولمة وتقليص الهويات القومية والدينية للشعوب أو القضاء عليها، بما تتضمنه تلك الهويات من ثقافة ولغة وتقاليد وأنماط حياة ؟ وإذا كان جواب السؤال الأول عن صنيع الحضارات العظمى والإمبراطوريات الكبرى هو أن هذا الصنيع عولمةً، فهل استطاعت تلك العولمة أن تقضي على هويات الأمم والشعوب الأخرى. أو أن الإمبراطوريات زالت وبقيت القوميات والثقافات والأديان المتعددة المختلفة ؟

فكان بذلك تأثير العولمة وقتيا، أما تأثير القوميات والأديان فقد كانت  له الغلبة والبقاء . ولابد من التنبه للفرق الشاسع بين العصور القديمة وعصرنا الحاضر بوسائل اتصاله وشبكات معلوماته وقُدرته على التغلغل والسيطرة .

  وتساؤل رابع.. هل تتناقض العولمة مع الديمقراطية ومع التعددية الثقافية والتنوع الحضاري ؟ إذا كانت تتناقض مع كل ذلك بحكم محاولتِها السيطرة والسيادة والانفراد، وبحكم نشرها نموذجاً واحداً ونمطاً بعينه في الاقتصاد وفي الثقافة والاجتماع  وهما نموذج ونمط ينتميان إلى حضارة واحدة في مجموعها، بل إلى مجتمع واحد فما هو موقف الدولة العظمى التي طالما دعت إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفَرضت على الدول التي تنتقص منهما، أنواعا من العقوبات مثل الحصار والمقاطعة؟ أليس هذا مثلا من أمثلة ازدواجية المعايير ؟

  وتساؤل خامس..هل العولمة تنتهي حقاً بالتفاهم الدولي والسلام العالمي والتقارب بين الشعوب ؟ أو أنها لابد ستثير مقاومةَ تلك الشعوب دفاعا عن هويتها ومقومات شخصيتها، وبذلك تكون العولمة قد نَثَرت بذور الحروب وأنواع الصراع بدل أن تنشر السلام ؟

  وأخيرا وليس آخرا..ما هي تأثيرات العولمة في العالم؟ وكيف يمكن للعرب التعامل معها ؟

**********

ولست أدري أكانت هذه الأسئلة موضوعية محايدة أم أن صياغتها حملت بعض فكر السائل وأومأت إلى الإجابة إيماءاً عاما يدل على اتجاهه وموقفه .

ومهما يكن من أمر فلا بد من محاولة الإجابة عن بعض تلك الأسئلة دون التقيد بتسلسلها وترتيبها.

^

مفهوم العولمة :

وأول ما نقف عنده قضية المصطلح ..فلا أشعر بالحرج من استعمال مصطلح "العولمة " ومن تأصيله في اللغة العربية. إذ أن الوزن الصرفي  "فَوْعَلَ " -فعلا وإسما- هو من أبنية الموازين الصرفية ومن الشواهد على ذلك، حَوْقَلَ الرجل :ضَعُفَ، ومصدره السماعي حِيقال. أما مصدره القياسي فـ "حَوْقَلَةٌ"، وقالوا :كَوكَبةٌ في الاسم. ومما جاء في وزن فَوْعَلَ: الفَوْلَف: كل شيء يغطي شيئا، وفَوْقَلَ: لِلْحِجْلِ. وشَوْشَبَ: إسم  للعقرب. ولَوْلَبَ: لولب الماء. والنَّوْرَج والنَّوْرَجَةُ، ومن كلام المحُدَثين: قَوْلَبة وبَلْورة وحَوْسبة..وما جرى على كلام العرب فهو من كلام العرب.

" فالعولمة "شأنُها شأن " الهوية " و " الحداثة أو الحداثية " و "الديمقراطية  " و"حقوق الإنسان " و " الخوصصة " أو " الخصخصة أو التخاصية "و" النظام العالمي الجديد "وبعض المصطلحات والألفاظ الأخرى الشائعة منذ سنوات التي لا تزال يكتنفها الغموض، والتي يذهب بعض النقاد والمبدعين والمحللين الاجتماعيين مذاهبَ مختلفة في فهمها وتعريفها وتفسيرها، ولذلك تأتي أحكامهم أحيانا غامضةٌ ومتباعدةٌ بسبب غموض منطلقاتهم واختلاف هذه المنطلقات، حتى أصبح الباحثون في هذا الموضوع والمتحدثون عنه يتساءلون: هل من الأفضل أن تُترك هذه الألفاظ والمصطلحات وأمثالهُا دون تحديد (ربما لأنها بطبيعتها غير قابلة للتّحديد). وأن يُتحدّث عن بعض مظاهرها ونتائجها وعلاقتها بغيرها، اعتمادا على وُجود قدرٍ مشتركٍ من الفهم بين المتحدِّثين عن هذه الألفاظ والمصطلحات، يُتيح توصيل الآراء والتحليلات إلى الآخرين مهما اختلفوا في التفصيلات والفروع.

" العولمة " ترجمة لكلمة " MONDIALISATION " الفرنسية التي تعني جعلُ الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي يَنأى عن كل مراقبة.

والمحدود هنا هو أساساً الدولة القومية التي تتميز بحدودٍ جغرافيةٍ وبمراقبةٍ صارمةٍ على مستوى الجمارك : تَنقُّل البضائع والسِّلع، إضافة إلى حماية ما بداخلها من أي خطرٍ أو تدخُّلٍ خارجيٍ، سواءٌ تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالسياسة أو بالثقافة. أما اللاَّمحدود فالمقصود به " العالم "، أي الكرة الأرضية.

فالعولمة إذن..تتضمن معنى إلغاء حدود الدولة القومية في المجال الاقتصادي ( المالي والتجاري ) وترك الأمور تتحرك في هذا المجال عبر العالم وداخل فضاءٍ يشمل الكرة الأرضية جميعها. ومن هنا يُطرح مصير الدولة القومية، الدولة /الأمة، في زمن تسوده العولمة بهذا المعنى .

على أن الكلمة  الفرنسية المذكورة إنما هي ترجمة لكلمة " GLOBALIZATION  " الإنجليزية التي  ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية. وهي تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل، الشيء الذي وجَدتُه حينما بحثتُ عن المصطلح في معجم [ ويبسترز-WEBSTER S ] الذي يقول:" العولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميا ".

ولكني ألفيتُ أن هذا المعنى شديد البراءة بالغ الحيدة، لا ينسجم في عمقه مع دلالة اللفظ ومفهوم المصطلح كما يُشاع في العالم اليوم.

وهنا لابد من وقفة نستقبل فيها ما صدر من تصوراتٍ عن العولمة . أو تعريفاتٍ توذن بها، وإن لم تبلغ الصحة والدقة المطلوبتين في الحدود  بحكم أن العولمة أمرٌ أَنِفٌ غامضٌ، أو غائمٌ لم يتم تَشَكُّلُه تَشكُّلاً نهائيا بعد .

يعتقد الدكتور محمد عابد الجابري أنها نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد، وأنها نظام عالمي يشمل المال والتسويق والمبادلات والاتصال، كما يشمل أيضا مجال السياسة والفكر والأيديولوجيات[1].

وقد يماشي هذا التصور إلى حد ما القول بأن العولمة عبارة عن القولبة الكلية للأحادية الأكثر اتساعا وشمولية، تنجرف إليها الأوضاع الدولية مدفوعة نحوها  بالثورتين الاقتصادية والمعلوماتية المذهلة[2].

وجاءت بعض التصورات ناظرة في استمداد حقيقة العولمة إلى العلاقة التي يُفترض أن تقوم بين المتقدم والنامي من الدول، وبين الغني والفقير منها. فهي تعني في إطلاق الأستاذ علي أحمد سليمان-أستاذ علم الاقتصاد -تحقيق اندماج البلدان النامية (دول العالم الثالث) بدرجة أكبر وفعَّالة في الأسواق العالمية .ولا يقف هذا الاندماج في الأسواق العالمية عند تصدير السلع فقط، ولكنه يتجاوز ذلك فيشمل الخدمات ورؤوس الأموال[3].

ويختلف عن هذه التصورات القول بأن العولمة موجةٌ جديدةٌ اقتصادية تلي الثورة الزراعية والثورة الصناعية، وأنها أعلى مراحل الرأسمالية الجديدة التي أفرزتها الثورة المعلوماتية وما يرافقها من تطور في مَجَالَيْ الاتصال والإعلام[4].

وتؤكد تصورات أخرى أن القصدَ من العولمة توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله، فهي بذلك ترادف الأمركة. ويشدد فريدمان على هذه الحقيقة حــين يُصرح في اعتداد وزهوٍ : « نحن أمام معارك سياسية وحضارية فظيعة، العولمة هي الأمركـة والولايات المتحدة قوة مجنونة، نحن قوةٌ ثورةٌ خطيرةٌ، وأولئك الذين يَخشَوننا على حق، إن صندوق النقد الدولي قطة أليفة بالمقارنة مع العولمة، في الماضي كان الكبير يأكل البطيء »[5].

والمتأمل في هذه التصورات يجدها كلها متطابقة في الجملة من حيث الموضــوع، وإن ظهرت مع ذلك متفاوتة بما امتدت إليه من اهتمامات عند محاولة التعريف بالحقيقة الواحدة، ولعل السبيل إلى وضع حد كامل سيتجلى لنا بعد من خلال المؤسسات القائمة لإنجـاز العولمة، ومن الاتفاقيات الصادرة عنها هنا وهناك بين الدول في العالم، مشاركة منها في بناء النظام الاقتصادي الشامل الجديد، وإشاعة له في أطراف المعمورة رغم ترددها في الانتماء إليه والإسهـام فيه بدعوى  أن العولمة عندها ليست في واقع الأمر شيئا آخر سوى ربط الوطن، خارج التاريخ[6].

والعولمة في أصلها اقتصادية، قائمة على إزالة الحواجز والحدود أمام حركة التجارة، لإتاحة حرية تنقل السلع ورأس المال. ومع أن الاقتصاد والتجارة مقصودان لذاتهما في العولمة، إلا أنها لا تقتصر عليهما وحدهما وإنما تتجاوزهما إلى الحياة الثقافية والحياة الاجتماعية بما تتضمنانه من أنماط سلوكية ومذاهب فكرية و مواقف نفسية، وكل ذلك هو الذي يصوغ هويــة الشعوب والأمم والأفراد.

وإذن.. فإن أولَ مظاهر العولمة هو تركيز النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي في يد مجموعة قليلة العدد وبالتالي تهميش الباقي وإقصاؤه بالمرة. ومن هنا ظاهرة "التفاوت"[7]- على حد قول الدكتور محمد عابد الجابري الملازمة لظاهرة التركيز التي من هذا النوع. التفاوت بين الدول ..والتفاوت داخل الدولة الواحدة، ومن الأمثلة التي يوردها الاختصاصيون في هذا المجال لتوضيح هذه الظاهرة نقتبس ما يلي:

إن خمس دول هي: الولايات المتحدة الأمريكية ..واليابان.. وفرنسا.. وألمانيا..وبريطانيا.. تتوزع فيما بينها 172 شركة من أصل 200 من أكبر الشركات العالمية. وهذه الشركات المائتان العملاقة هي التي تسيطر عمليا على الاقتصاد العالمي، وهي ماضية في إحكام سيطرتها عليه، إذ ارتفعت استثماراتها في جميع أنحاء العالم وفي المدة ما بين 1983-

1992 م

بوتائر سريعة جدا : أربع مرات في مجال الإنتاج، وثلاث مرات في مجال المبادلات العالمية. وفي تقرير للأمم المتحدة أن 358 شخصا من كبار الأثرياء في العالم يساوي حجم مصادر ثروتهم النقدية حجم المصادر التي يعيش منها ملياران وثلاثمائة مليون شخص من فقراء العالم..وبعبارة أخرى..إن عشرين في المائة من كبار أغنياء العالم يقتسمون فيما بينهم ثمانين في المائة من الإنتاج الداخلي الخام على العالمي، وأن الغِنى والثروة ارتفعا بنسبة ستين بالمائة في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1975-1995م غير أن المستفيدين من هذا الارتفاع الكبير في الغنى والثروة لا يتجاوز عددهم نسبة واحد بالمائة من الشعب الأمريكي  ونفس الظاهرة تستشري اليوم، وبسرعة في أوربا حيث يُفرض نظام العولمة عليها، بما يقتضيه من منافسة حادة، التخفيض من التعويضات والخدمات الاجتماعية بصورة رهيبة، وهي فوارق قائمة أصلا وبشكل واسع.

وإذن..فمن النتائج المباشرة للعولمة تعميم الفقر، وهو نتيجة حتمية لتعميق التفاوت. إن القاعدة الاقتصادية التي تحكم اقتصاد العولمة هي: "إنتاج أكثر ما يمكن من السلع والمصنوعات بأقل ما يمكن من العمل ". إنه منطق المنافسة في إطار العولمة، ومن هنا نلاحظ أن الظاهرة الملازمة للعولمة وربيبتها الخوصصة هي تسريح العمال والموظفين.

والنتيجة التي يستخلصها الباحثون والمختصون في هذا المجال هي التالية: إذا كان النمـو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل، فإن النمو الاقتصادي في إطار العولمة والليبرالية المتوحشة يؤدي ويتوقف على- تخفيض مناصب الشغل. إن بعض القطاعات في مجــال الإلكترونيـات والإعلاميـات والاتصال، وهي من القطاعات الأكثر رواجا في العالم، لا تحتـاج إلا إلى عدد قليل من العمـال. إن التقدم التكنولوجي يؤدي في إطار العولمة والخوصصة إلى ارتفاع البطالة مما سيؤدي حتما إلى أزمات سياسية.

وليس من هدفنا هنا تفصيلُ الحديث في الجوانب الاقتصادية للعولمة -مع أنها هي الأساس فيها- وسنقتصر حديثنا على نتائج هذه العولمة وما يترتب عليها بالضرورة؛ وهي الجوانب الثقافية والحضارية لاتصالها بالهوية، بعد أ ن نجيب عن الأسئلة التي طرحناها في البداية حتى نُلمَّ بالعولمة من أطرافها .

&

عصر العولمة :

نستطيع في ضوء هذا التحديد لمصطلح " العولمة " أن نصفَ عصرنا بأنه (عصر العولمة). ويمكننا ونحن نستحضر تاريخ القـرن العشريـن الميلادي بين يدي دخول قرن ميلادي جديد، أن ندرك أن التحولات فيه هي حلقة ثالثة في التحرك الغربي نحو العالمية، سبقتهـا تحولات ما بعد الحـرب الأولى في نهاية العقـد الثاني من القرن، وتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية في النصف الثاني من العقد الخامس من القرن، وفي مقدورنا ونحن نستحضـر التاريخ الإنساني أن نلاحظ أنَّ هذا التاريخ حَفَلَ بتحرُّكاتٍ نحو العالمية في مختلف عصوره، عبَّرت عن نزوع الإنسان للسياحة في كوكبنا الأرضي استجابة لدعوة خالقه أن يمشي في مناكب الأرض وينتشر فيها: ] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإِلَيْهِ النُّشُور[[8].

&

  العولمة شيء والعالمية شيء آخر :

وبالمناسبة أذكر هنا ما جاء به الدكتور محمد عابد الجابري في أَنَّ العولمة شيء والعالميـةَ شيء آخر..فقال:

« العولمة إرادة للهيمنة، وبالتالي قمعٌ وإقصاءٌ للخُصوصي..أما العالميـة Universalité فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي: العولمة احتواء للعالم، والعالميـة تَفَتُّحٌ على ما هو عالمي وكوني نشدانُ العالمية في المجال الثقافي. كما في غيره من المجالات، طموح مشروع، ورغبة في الأخذ والعطاء، في التعارف والحوار والتلاقح. إنها طريق الأنا للتعامل مع "الآخر" بوصفه " أنا ثانية" طريقها إلى جعل الإيثار يحُلُّ مَحَلَّ الأَثَرة..أما العولمة فهي طموح، بل إرادة لاختراق "الآخر" وسلبُه خصوصيَتَه، وبالتالي نفيُه من "العالم". العالمية إغناء للهوية الثقافية..أما العولمة فهي اختراق لها وتمييع»[9].

وهذه المفارقة الدقيقة بين العولمة والعالمية تُعَبِّرُ بشكلٍ جَلِيٍّ على حِنكَةٍ الرَّجل ودقَّةِ ملاحظته في التفريق بين المفاهيم وإعطائها الصبغة المناسبة لها.

&

   العولمة : ظاهرة قديمة أم جديدة ؟

شاع استخدام "العولمة  ~ Globalization " في السنوات العشر الأخيرة، وبالذات بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ومع هذا فإن الظاهرة التي يشار إليها ليست حديثة بالدرجة التي قد توحي بها حداثة هذا اللفظ. فالعناصر الأساسية في فكرة العولمة: ازدياد العلاقات المُتَبَادَلَة بين الأمم، سواءٌ المتمثِّلة في تبادل السلع والخدمات، أو في انتقال رؤوس الأموال.كلُّ هذه العناصر يعرفها العالمُ منـذ عدة قرون، وعلى الأخص  منذ الكشوف الجغرافية في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، أي منذ خمسة قرون. ومنذ ذلك الحين والعلاقات الاقتصادية والثقافية بين الدول والأمم تزداد قوة، باستثناء فتراتٍ قصيرةٍ للغاية، مالت خلالها الدول إلى الانكفاء علـى ذاتها. وتراجعت معدَّلات التجارة الدولية ومعدل انتقال رؤوس الأموال ( كما حـدث  خلال  أزمة الثلاثينات من هذا القرن مثلا). وباستثناء مجتمعات محدودة العدد، تركها العالم في عزلةٍ، أو فَضَّلت هي أن تعزل نفسها عن العالم لسبب أو آخر..( كما حدث للاتحاد السوفياتي مثلا في العقود الثلاثة الأولى التالية لثورة تشرين الأول ‌‌‌‌‌‌‌‍‍‍/أكتوبر..أو للصـين في الخمسينيات والستينيات..أو لليمن حتى منتصف هذا القرن إلخ).

الظاهرة عمرها إذن.. خمسةُ قرون على الأقل، بدايتُها وغدُها مرتبطان  ارتباطا وثيقاً بتقدم تكنولوجيةِ الاتصال والتجارة، منذ اختراع البوصلة وحتى الأقمار الصناعية. ومن المهم إدراك هذه الحقيقة والتأكيد عليها، ولكن من المهم أيضاً الاعتراف بأن أشياء جديدة و مهمة قد طرأت على ظاهرة العولمة في الثلاثين سنة الأخيرة منها :

   1.   انهيار أسوار عالية كانت تحتمي بها بعض الأمم والمجتمعات من تيار العولمة ، ومن تمَّ اكتسح تيار العولمة مناطق مهمة من العالم كانت معزولةٌ بدرجةٍ أو بأخرى عنها. أهم هذه الأمم هي بالطبع أمم أوروبا الشرقية والصين؛ التي انتهت عُزلتها الاختيارية أو أُجبرت بطريقة أو بأخرى على التَّخلي عن هذه العزلة .

   2.   الزيادة الكبيرة في درجة تنوع السلع والخدمات التي يجري تبادلها بين الأمم، وكذلك تنوع مجالات الاستثمار التي تتَّجه إليها رؤوس الأموال من بلدٍ لآخر[10].

فإذن..وكما ذهبت زمرة من الاقتصاديين إلى أنَّ العولمة ليست أمراً جديداً في المجال الاقتصادي، لأن هناك عولمتين : قديمة وحديثة..ظهرت الأولى في القرن الخامس عشر أو القرن الثامن عشر مع الثورة الصناعية، واستطاعت تنفيذا لِخُطَّتِهَا أن تَزيد في إنتاج السلع زيادة كبيرة دفعت بأوربا إلى البحث عن أسواق جديدة أقامتها عن طريق إنشاء المستعمرات بأمريكا وآسيا وإفريقيا،كما مكَّنتها هذه من الحصول على المواد الخام بأسعار  جد منخفضة. وهذا يفسره ما كان من اندماج للدول الفقيرة المستعمَرة في اقتصاديات الدول الصناعية الأوربية. أما العولمة الثانية، العولمة الحديثة فإنَّ تَحَقُّقَها سوف لا يكون عن طريق الاستعمار في شكله القديم وما كان يوفره من آليات، ولكن عن طريق تحرير التجارة الدولية والتنافس على النطاق الدولي [11]. بالاعتماد على التقدم التكنولوجي وتطوره في مختلف المجالات، وتسابق الدول على اقتنائِه وامتلاك أزمَتِه. ومن أجـل ذلك كُتِبت البحوث والدراسات، وأقيمت النـدوات والمؤتمرات لبحث أوضاعه المختلفـة، وتطوراته المتلاحقة، وما توحي به من ثورات عميقة وكبيرة في حياة المجتمعات الإنسانية.

&

  خطاب العولمة :

تواجه العولمة بخطابها العالم كله بعد أن هدَّت معاقل الأيديولوجيا المناهضة لللِّيبرالية الاقتصادية. ويقول الخطاب الأمريكي: إن العولمة ليست مجرد خيارٍ قابلٍ للِتَّبَنِّي والرفض،

بل هي حتميةٌ لامناصَّ عنها في توجُّه النظام العالمي الجديد، ولا خيارَ للعالم النامي غيرَهـا إلا خيارَ بقائِه محبوساً في تخلفه. ويضيف هـذا الخطاب: أن العولمة هي أقربُ الطريــقِ وأجداها لتحقيق الحداثة السياسية والاجتماعية والفكريةِ للعالم المتخلف، وهي أنجَع الوسائل لطيِّه بسرعة مراحل التنمية الشاملة، لأنها وحدها الكفيلة بتأهيله اقتصاديا، وبالتالي فكرياً واجتماعياً. بل يذهب الخطاب إلى القول: إن تغييرَ العالم إلى أفضلَ مرهونٌ بتطبيقها. وبذلك يأخذ شكلَ الهجوم وإحكام لَيِّ الطوقِ على حرية الاختيار، لأن العولمة بمقتضى هذا الخطاب هي السبيل الوحيد إلى تنمية عالم بلا حدود اقتصادية، عالمٌ لا يسودُه إلا قانون السوق، ولأن برنامَجَها وحده الكفيل بتضييق الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، وبين المجتمعات المتقدمة اقتصاديا والأخرى الطامحة إلى النمو.

ويضيف الخطاب الأمريكي مدلِّلاً على العولمة : أنه لم يعد في إمكان الدول الصغرى أن تستغلَّ تناقضاتِ الكبار، كما تفعلُ أثناء الحرب الباردة، وبأنَّ الانفتاح السياسِيَّ الـذي تحَقق بين العالم بعضُه على بعضٍ لا ينفصلُ عن الانفتاح الاقتصادي. فهُما معاً أساسيان في مفهوم العولمة، لذلك تربط الولاياتُ المتحدة بينهما ربطاً عضوياً، وتَرهَن تعاوُنَها مـع الغير بمدى احترامه والتزامِه بالانفتاحَيْنِ معاً.

&

    إدارة العولمة :

للعولمة إدارةٌ اقتصادية عالميةٌ تُمارسُها بِحزْم وقُوَّةٍ وبتقنياتٍ عِلميةٍ، مؤسساتٌ دوليةٌ على صعيدِ التنظير والممارسة، أكبرُها: البنك العالمي.. وصندوق النقد الدولي.. ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي يقال عنها إنها نادي الأغنياء.

وكلُّها تُفَكِّر بالمنطق الأمريكي وتستمدُّ تنظيرَها من نَمط الاقتصاد الأمريكي الناجح المتوفر على رؤوس الأموال الكبرى القادرة على كسب الرِّهان في مجال تنافس الرأسمال العالمي. وهذه الإدارة هي التي توجِّه سياسة العولمة وتضغط على الدول للعمل بتوجيهاتها.

وهذا يقودُنا إلى القول ..إن كلَّ شيء يؤهِّلُ الولايات المتحدة لتفُوزَ بقَصَب السَّبق في نظام العولمة الذي أخذ العالم يعيشه، والذي لا يقوَى على المنافسة المحدودةِ فيه بعد الولايــات المتحدة وبتفاوت، إلا كندَا في أمريكا الشمالية، ومجموعة الاتحاد الأوربي، ومنطقة شرق وجنوب شرق آسيا التي تضم اليابان والصين والتُّنَيْنَاتِ الصاعدة التي تَرْتَدُّ ببصرِهـا إلى الشرق وتَقْتَبِسُ من النَّهجِ الياباني.

&

عمل إدارة العولمة :

ويواكب الخطابُ المنهجيُّ المُعَوْلَم حملةً تقنيةً رديفةً تقوم بها المؤسساتُ الاقتصادية الدوليةُ التي تمثلُ الإدارة التي تعمل بها العولمة، مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي لإسناد الخطاب الأمريكي بتقاريرَ مُعزَّزة بإحصائيات عن الوسائلِ الكفيلة بانتشالِ الاقتصادات الوطنيـةِ من ركودها أو تَعَثُّرها، وعن الآلياتِ التي يجب على الدول النامية أن تستعملَها لتحقيقِ النَّهضةِ الاقتصادية على درب التنميةِ الشاملة، ومنها ما عُرف ببرامج التقويماتِ الهيكلية، والتخصيصِ الشامِلِ، وانحسارِ دَوْرِ الدولةِ الوطنية، وتخلِّيها عن الإنفاقِ على ميادين الرعاية الاجتماعية التي تُثْقِل كاَهِلَها في مجالِ التربيةِ والتعليمِ والصحةِ والإعلامِ والبيئـةِ والتشغيلِ والمنافعِ الاجتماعية، وتحرير الدولة من أعباءِ صندوقِ المِقَاصَّةِ بتركِ الأسعار للتنافُسِ الحُرِّ وقانونِ العرضِ والطلبِ، وتخفيض كلفة المقاولة، والالتزام باللُّيونةِ والمرونةِ في علاقاتِ الشغلِ.

وهكذا فالعولمةُ بمقتضى هذا الخطاب ديناميةٌ واعدةٌ بمستقبلٍ أرغدَ للبشريةِ، وبفضلِها تستطيع فصائل العالم تحقيقَ التغييرِ الذي كانت تطمح إليه، والتي كانت تفتقـد - قبل التوجه نحو العولمة- وسائلَه وآلياتَه. ويتوجه مُنظِّرو العولمة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى العالم بهذا الخطابِ دون أن يغفَلوا تركيز الاقتناع لدى شعوبهم أنفسَهـم بحَسَناتِهـا. فالرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" يخاطب الأمةَ الأمريكيةَ ويقول: «ستكونُ العولمة حظَّ الولايات المتحدة الواعد، ولن تُشَكِّل أيةَ عرقلةٍ لتقدُّمِها، ستقيمُ عالماً جديداً بحدودٍ جديدة يجب توسيعُها، ولن يُشَكِّلَ قيامُ العولمة أيَّ تهديدٍ لنا ».

ولكن هذا بالنسبة للأمريكيين فماذا عن الآخرينَ؟

&

  اتساع العولمة :

العولمة التي يجري الحديث عنها الآن..نظامٌ أو نسقٌ ذُو أبعادٍ تتجاوزُ دائرةَ الاقتصاد لِتُعَولِمَ الإنسانَ في كلِّ مجالٍ، متحديةً قدرةَ خصوصياتِه القوميةِ والفرديةِ على الصُّمـودِ في وجهِ مدِّها، وواضعةً مناعتَه الذاتيةَ موضعَ اختبار صعبٍ،  على سمع العالم وبصره، وفي غفلةٍ من بعضِ فصائِلِه المهمَّشَةِ تجري عولمةُ القِيَم والأخلاقِ وأنماطِ العَيْشِ ومناهجِ التفكير، وفي ظِلِّ هذه العولمة الشاملة يُرادُ أن تتعولَمَ الهوياتُ والخصوصياتُ كذلك.

إن العولمة ذاتُ أبعادٍ سياسيةٍ، واقتصاديةٍ، وثقافيةٍ، وإيديولوجيةٍ. وكان البدءُ بالميــدانِ السياسي عندما انخرط العالم في نظامِ الديمقراطيةِ الغربيةِ الذي أصبحَ لامناصَّ من تطبيقهِ بتقنياتِه مضموناً وشكلاً، مما تعولَمَ معه شكلُ الحكمِ ونوعُ المشاركةِ فيه، وتعولَمت معـهُ الآلياتُ الموصِلَةُ إلى إفرازِ اقتراع شعبي سليمٍ. وتكفَّلت المنظمات الدوليةُ بعولمةِ القانـونِ الدولي والشرعيةِ الدوليةِ وحقوقِ الإنسان. وعولمتْ مواثيقُها نُظُمَ الحرب والسِّلم وطرائقِ التعاون الدولي. وبذلك تعولمت السياسةُ في أوسعِ معانيها التي تشملُ تنظيماتِ الحكـمِ وشروط التعاون الدولي والعلاقات الدوليةِ العامة. وأصبحَ المجتمعُ الدوليُّ يَنضبط دقائـقَ هذه العولمة ويتحكمُ فيها من أصغر مكوناتِه إلى هيأةِ الأممِ المتحدةِ بمرافقِها وعلى رأسها مجلسُ الأمن.

أما في المجال الاقتصادي فإن عولمةَ الاقتصاد التي تحدثنا عنها مَسَّت كلَّ ما يتصل بعيش الإنسان من إنتاجٍ واستهلاكٍ وتوزيعٍ وتبادلٍ .

وفي المجال الثقافي أخذتِ العولمة تمسُّ الثقافةَ بمعناها العام؛ أي كل ما يجيشُ به فكرُ الإنسان من تصوراتٍ ونظرياتٍ وممارساتٍ، وما يخفَقُ به قلبُه ويرتاحُ له ضميرُه من تمتعٍ بحريـة الفكر والتفردُ بالخصوصيةِ والشعورُ بالذَّات، والحوارُ بلغةِ الذَّات مع النفس والنــاس. والمشكلةُ المطروحةُ هي الاتجاه إلى صياغةٍ ثقافيةٍ عالميةٍ، لها قيمُها ومعاييرُها، و الغرض منها ضبطُ سلوكِ الدُّول والشعوب. والسؤال هنا : هل تؤدي هذه الثقافةُ العالميةُ حال قيامِها وتأسيسِها إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية، مما يهدِّد هويات المجتمعاتِ المعاصرة ؟

وأخيراً، وليس آخراً..هناك عولمة اتصالية تَبرز أكثرَ ما تَبرز من خلال البث التلفزيوني عبر الأقمار الاصطناعية، وبصورةٍ أكثرَ عمقاً من خلال شبكة الإنترنت، التي تَربط البشرَ في كل أنحاء المعمورة، وتدور حول الإنترنت أسئلةٌ كبرى، ولكن من المؤكَّد أنَّ نشأتَهــا وذيوعَها وانتشارَها ستؤدي إلى أكبر ثورةٍ معرفيةٍ في تاريخ الإنسان.

وهكذا..فبدلاً من الحدود الثقافية، الوطنية والقومية، تَطرح إيديولوجيا العولمة "حدوداً " أخرى، غير مرئية، ترسمها الشبكاتُ العالميةُ قصدَ الهيمنة على الاقتصاد والأذواقِ والفكرِ والسلوك .

&

إيجابيات العولمة وسلبياتها :

  الإيجابيات :

فمن إيجابيات العولمة ما ضمَّنته اتفاقية " الغات " من المطالب والمقاصد للدول الصناعية والنامية على السواء، وما قامت بتنفيذه على فترات في المرحلة الانتقالية، وما وعدت بالوفاء به وفاءًا تاماً ابتداءً من سنة 2005م، فمن ذلك :

       1.         تخفيض الضرائب الجمركية .

       2.         تعزيز المنافسة بين الدول والشركات الكبرى المصدِّرة .

       3.         مكافحة أسلوب إغراق الأسواق .

   4.   توسيع قاعدة التجارة الدولية بجعلها تشمل الخدمات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمواصلات التي مكَّنت من تصميم المنتجات أينما تتوفر المهارات والمعرفة الضروريتين، وإنتاج أجزائها المطلوبة في أرخص مكان يمكن صناعتها فيه،ثم شحنها للتجميع في أرخص مكان يمكن تجميعها فيه .

       5.         فتح الأسواق العالمية أمام سلع ومنتجات الدول العربية وغيرها من الدول النامية[12].

       6.         وقد تجلت آثار ذلك في ارتفاع حصة التجارة بسرعة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد  النامية من  23 % في منتصف الثمانينات إلى 43 % سنة 1999.

       7.         ومن إيجابياتها أيضا..أن هناك مشاكل إنسانية مشتركة لا يمكن حلها من منظور السيادة الوطنية المطلقة للدولة التي يقوم عليها النظام الدولي القائم حتى اليوم منها :

-  انتشار أسلحة الدَّمار الشَّامل.. والتهديدات النووية.. والبيئة.. وتطور الأوبئة والأمراض المعدية .. وانتقال الأيدي العاملة بكثافة من منطقة إلى منطقة أخرى وانتشار الجريمة والمخدرات وغيرها.

  السلبيات :

بينما التأثيرات السلبية للعولمة تتمثل في:

    1.   الخشيةُ من ذوبانِ الدولة القوميةِ، بحيث تفقدُ فيها سيادتَها المطلقة، وخصوصاً الدول "الضعيفة"، علماً بأن العولمة قد بدأت باختراقِ السيادةِ القوميةِ حتى الدول الكبيرة، ولكن بنِسبٍ متفاوتة، وفي مجالات معينة، بينما ستبقى الدولة" لاعباً رئيسياً بين لاعبين عديدين، ولكنها لن تكون ذات سيطرة مطلقة".

ومن تأثيراتِها السلبية أيضا:

          2.       انهيار التوازنـاتُ الدولية السابقة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافيـة.

          3.       مضاعفة فرص المجموعات الأقوى، تلك القِوى التي كانت تسيطر في الأصل على عناصر القوة الاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية وغيرها.

    4.   تعميق التناقض بين المجموعات البشرية بقدر قدرة هذه المجتمعات على بلورة إستراتيجيات فعَّالة وناجعة للصراع على المصالح.

          5.       زيادة الدول القوية غِنىً، بينما تزداد الدول الفقيرة فقراً، أي أن هناك "دولاً قَنَّاصة ودولاً مقنوصة".

          6.       تطويق الإنتاج القومي الاقتصادي بمنافسة غير متكافئة مما يؤدي إلى المزيد من استفحال البطالة وتوسيعها.

          7.       تطويق الإبداع الأدبي والفني لدى الشعوب ذات الهويات الثقافية بإغراقه في تسويق صناعتها وإنتاجها.

    8.   تهميش الثقافة الوطنية واللغة القومية بفرض لغة وثقافة القطب الاقتصادي الذي ينتج وحده ويفرض لغته وطريقته عبر وسائل الاتصال والتواصل وحده.

    9.   تقليص العلاقة الحميمية بين المثقف وبين الخبرة المباشرة بعمله وبالحياة من حوله. فعولمة الإعلام تقدم للمتعلم وللمثقف كل ما كان يختبره بنفسه تقدمه جاهزاً موثَّقاً فتُغنيه عن الانتقال في الزمان والمكان، وعن معاناة تطوير خبرته الجمالية والاستدلالية، فيُصبح تَلَقِّيه للمعارف والخبرات تلقياً آلياً تمهيداً لجعل إنسان المستقبل نُسَخاً متكررة، تفكر وتتذوق وتستدل بطريقةٍ شبه موحدة. أما ما يستعصي على التوحيد والآلية فسينقرضُ تدريجياً كالفلسفة والشعر.

وأيضا.. أن نظام العولمة- كما قال محمد عابد الجابرى- عالَم بدون دولة.. بدون أمة.. وبدون وطن. عالم  المؤسسات والشبكات، يقفز نظامه على التَّفتيتِ والتشتيت[13].

&

هل العولمة حتمية ؟

الملجأُ الأخير الذي يلجأُ إليه المنتصرون للعولمةِ هو التَّذَرُّع بالحتمية. فعندما تُعوِزُهم الحجة في الدفاع عن العولمة باسم الحرية أو الرفاهية الإنسانية أو الأخلاق أو الجمال أو العقلانية، يلجأون إلى القول: « إن علينا أن نقبلها لأنه لا مفرَّ لنا من قُبولها ».

وأودُّ أن ألاحظَ على هذه الحجةِ أولاً أنها من نوع مختلفِ تماماً عن الطرق الأخرى للدفاع عن العولمة ولا يجوز أن نَخلط بين هذا وذاك .

فالقول بالحتمية ليس في الحقيقة دفاعاً عن العولمة أو تمجيداً لها، بل هو تعبير عن اليأسِ من أي محاولة للوقوف في وجهها. ولكن فضلاً عن ذلك أريد المجادلة في صحة هذا الموقف اليائس نفسُه .

إنَّ من الممكن جداًّ أن يُشيع الاعتقاد بأنَّ ظاهرةً ما ظاهرةٌ حتميةٌ لا مفرَّ منها نتيجةً لمجرد التعوُّد الطويل عليها، حتى ليستقرَّ في وعي المرءِ أنَّ هذه الظاهرة جزءٌ من طبيعة الأُمور، ويُصبح من أصعب الأمور تصورُ الدنيا من دونها. ومن هنا تكمُن في رأيي- الأهمية القُصوى لإِدراك أن العولمة ظاهرةٌ محايدةٌ بين الحضارات والثقافات، أو الاعتقاد بأن الحضارةَ الغربيةَ هي حضارةٌ إنسانيةٌ عامةٌ وليست مجردَ إفرازٌ من إفرازاتِ ثقافاتٍ بعينها، إنَّ هذين الاعتقادين من شأنهما بالطبع أن يُرسِّخا الاعتقاد بأن العولمة ظاهرةٌ حتميةٌ لا مفرَّ منها. ولكن من الجائز جداً أن يكون هذان الاعتقادان خاطئين، فالعولمةُ هي عولمةُ حضارةٍ بعينها، وهذه الحضارةُ هي بدورها تعبيرٌ عن ثقافةِ أُمةٍ مُعينةٍ أو ثقافةِ مجموعةٍ معينةٍ من الأمم. صحيحٌ أنَّ هذه الحضارة قد توفَّر لها منذ زمن طويـــل -يرجع إلى ما يَقرُبُ من خمسة قرون وسائلٌ فعَّالةٌ مكَّنتها من فرض نفسها على أُممٍ أُخرى، غيرَ الأمة أو الأمم التي أنجبتها، ولكنَّ هذا وحده لا يجعلها تستحق وصف " الإنسانية " أو "العالمية "، بالمعنى الذي تُستخدمُ به عادةً هذه الأوصاف، ولا يُزيل عنها خصوصيَتَها. فالاعتراف بأنَّ حضارةً ما ( أو ثقافةً ما ) قد اكتَسَحَت العالمَ لا يعني الاعتراف بأنها من نتاجِ العالمَ بأسره، ولا يعني الاعتراف بأنها تستحق أن تكتسحَ العالمَ بأَسره، أو أنها يجب أن تكتسحَ العالمَ بأسره .

قد نقبل القولُ أنَّ التقدمَ العلميَ حتميٌ، أو حتى إنَّ تطويرَ التِّقانةِ أمرٌ حتميٌ، إذ كلاهما يُعبر عن نزعةٍ طبيعيةٍ لدى الإنسان للاستكشاف وحبِّ الاستطلاع وتخفيف ما يتحمَّلُه من مختلَف صُور العَناء. ولكن قَبولُ هذا أو ذاك كظاهرتين حتميتين لا يُلزِمُنا بقَبول الحضارة الغربية كظاهرة حتمية. فمن الممكنِ مثلا، وبسهولة، أن نتصورَ تقدماً في العلم والتِّقانة، من دونِ هدفِ تحقيق أقصى ربح، أو هدفِ تعظيم الناتج، أو هدف تحقيق قدرٍ من السيطرة على الطبيعة، أو تحقيقِ أعلى درجةٍ من استقلالِ الفرد، أو أقل درجة من الإيمان بالميتافيزيقا إلخ. وهذه كُلُّها من السمات الأساسية للتقدم العلمي والتِّقاني الغربي. والزعمُ بغير ذلك ليس إلاَّ اعترافا بقصورٍ خطير في الخيالِ، بل إنه يتضمن توجيهُ الإهانةِ إلى الجنسِ البشري؛ لأنه يَفترضُ أن الإنسان غيرُ قادرٍ على تحقيقِ شيءٍ أفضل من ذلك.

في الفيلمِ  المعروف لشارلي شابلن" الجريُ وراء الذهب " [ GOLD  RUSH  ] مَنظَرٌ شهيرٌ، يظهرُ فيه "شارلي شابلن" مع رجلٍ سمينٍ جشِعٍ في كوخٍ صغيرٍ في أعلى الجبلِ، وقد منَعَتْهُما عاصفةٌ ثلجيةٌ من الخروج. كاناَ قدِ استبدَّ بهما الجوعُ، إذ لم يكونا قد تناولا الطعامَ لعدَّة أيامٍ، وليسَ أمامَهُما من وسيلةٍ للعثورِ على أيِّ طعامٍ بسببِ العاصفةِ  الثلجيةِ. بعد ذلك المنظرُ الشهيرُ الذي يحاولُ فيه "شارلي شابلين" أن يطْهُوَ حذاءهُ ويَشرعَ في أكلِ الحذاءِ بالشوكةِ والسكين، نرى منظرَ زميلهِ السمينُ وهو ينظر إلى "شارلي شابلن" لم يرهُ كإنسانٍ، بل رأى فيه دجاجةٌ تنتظرُ الذَّبحَ. كان الجوعُ قد وصلَ بالرجُلِ إلى مدى لم يُسمح له بأن ينظر إلى "شارلي شابلن" دون أن يراه كدجاجة.

هذه بالضبط هي الإيديولوجيا : كيف ترى الأمور؟

ولا يمكن أن يُقنِعني هذا الرجلُ مهما فعلَ بأَن "شارلي شابلن" هو في الحقيقةِ دجاجة وليس رجلاً. كذلك لن يُقنعني أنصارُ الحضارة الغربية مهما قالوا إن طريقةَ نظرِهِم إلى الأمورِ هي الطريقةُ الوحيدةُ الممكنةُ. إن الذين يقولون إن العالمَ الآن قد هجرَ الإيديولوجيا إلى الأبد ولم يعد هناك إلا منطقُ السوق والاقتصاد والتِّقانة، يقولون لنا شيئاً شبيهاً جداً بِزعمِ هذا الرجلُ في فيلم ( الجري وراء الذهب )، وهو أن "شارلي شابلن" ليس إلا دجاجة، كذلك رجل الأعمال الذي إذا اصْطَحَبْتَهُ إلى مكانٍ جميلٍ على شاطئِ البحرِ، فإذا به يقول لك: إن هذا مكانٌ رائعٌ لإقامةِ فندقٍ بخمسِ نجومٍ..أو إذا اصطحبتَه إلى تايلاند وصادفتُما في الطريق فتاةٌ جميلةٌ في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرِها، قال لك: إن هذه الفتاةُ يمكن أن تُصبحَ مصدراً رائعاً للربح لو استخدمت في بيتٍ للدعارة. هذا هو ما يزعُم أنه ثقافةٌ أو حضارةٌ من المحتَّم لها أن تكتسحَ العالمَ، لأنها ثقافةٌ أو حضارةٌ محايدةٌ، تُعبر عن نوازعِ الإنسانية جمعاء.

من السماتِ الخاصةِ بهذه الحضارةِ أنها حضارةٌ تفكِيكِيةٌ، فكَما يريدُ الرجلُ في فيلم (الجريُ وراء الذهب) أن يفعلَ "بشارلي شابلن"، تعمدُ الحضارةُ الغربيةُ إلى تفكيكِ كل شيءٍ إلى عناصره الأولى. وهو مسْلَكٌ حميدٌ إذا كان الغرضُ معرفةِ العناصرِ التي يتكونُ منها الشيءُ، أو إذا كان الغرضُ هو صُنع آلةٍ أو زيادةِ كفاءَتِها الإنتاجيةِ، أو ما يسمى بالسيطرةِ على الطبيعة، ولكنه قد يكون مسلكاً خطيراً ومُضراًّ إذا طُبِّقَ على الأشياءِ الحيةِ كالإنسانِ أو الأسرةِ أو الأمة، فهو قد يسمحُ فعلا بمزيد من السيطرة على الإنسان والأسرة والأمة، ولكن هذا ليس بالضرورة أفضلُ الأغراضِ طُرًّا، فلكي يسيطرَ المنتجُ على المستهلكينَ ويحوِّلهم جميعاً إلى دجاجةٍ يسهل التهامُها، من المفيد فعلاً تفكيكُ الفرد من أسرته ومن أمَّته ومن بيئتِه، باسم الفردية مرةً ،وباسم الحريةِ الشخصية مرة، وباسم التنوير مرة ، وباسم النِّسوية وتحرير المرأة مرة. وهذا كلُّه يصوِّر لنا على أنه نِتاجُ حضارةٍ إنسانيةٍ عامةٍ يلتزمُ الجميعُ باتِّباعِها؛ لأنها تستجيبُ لنوازعٍ طبيعيةٍ في الإنسان. ومن ثمَّ فإنَّ انتشارَها حتميٌ لابدَّ منَ الخضوعِ لهُ إن عاجلاً أو آجلاً. وأنا أزعُمُ، على العكس، أنَّ كثيراً مما تعملُ هذه الحضارةُ على نشره، يتعارضُ تعارضاً صارخاً مع بعض من أقوى النوازع الطبيعيةِ في الإنسان، وأن تفكيكَ الإنسانِ على هذا النَّحو ينطوِي على عمليةٍ أشبهَ بالقتل.

ثم إنَّ ظاهرةً ما قد تكونُ حتميةٌ بالنسبةِ إلى شخصٍ معينٍ أو أمةٍ بعينها من دون أن تكون بالضرورةِ كذلك بالنسبةِ إلى شخصٍ آخرَ أو أمةٍ أخرى. قد يكونُ انتشارُ هذه الحضارةُ وزيادتُها رُسوخاً، ظاهرةٌ حتميةٌ بالنسبة إلى الأممِ التي ابْتدعتْها أصلاً، لأسبابٍ تتعلق بصفاتٍ خاصةٍ في ثقافةِ هذه الأممُ أو ظروفها الطبيعيةِ أو مِزاجِها الخاص، ومن ثَمَّ قد يكون انتشارها وازديادُها قوةً ورسوخاً في أوربا الغربية، ثم في الولايات المتحدة، مثلاً ظاهرةً "حتميةً " حقاً، على النحو نفسه الذي يُمكن به أن نعتبِرَ نموُّ الولدِ ليصبحَ رجلاً ظاهرةً حتميةً أيضا. وقد يقالُ مثلُ ذلك، ولكن بدرجةٍ أقل، عن انتشار هذه الحضارة في أمريكا اللاتينية مثلاً، أو أوربا الشرقية. ولكنه قد يكون أقلُّ حتميةً بالنسبة إلى روسيا الآسيوية، أو اليابان، التي لم يُتِمَّ تركيعُها تماماً حتى الآن. وقد لا يكون الأمرُ حتمياً على الإطلاق بالنسبة إلى ثقافاتٍ مُغايرةٍ تماماً، كثقافةِ الصين أو الهند أو العرب. لا عجبَ من أن الصين تبدو وكأنها تحاولُ ابتداع شيء مختلفٍ عماَّ فَعَلَتْه اليابان مثلاً مع الحضارة الغربية، ولا عجبَ من أن " غاندي " في الهند كاد ينجح في ابتداع شيء مختلفٍ تماماً عن الحضارة الغربية. ولا عجبَ من أنَّ العربَ يُبدون هذه الدرجةِ العاليةِ من المقاومةِ للحضارةِ الغربيةِ والسوقِ الشَّرق أوسطيةِ، مقاومةٌ قد لا يرى فيها بعضُهم إلا إصرارًا على التخلُّف، ولكن من الممكن أن نرى فيها صُموداً جديراً بالثناء والدعم.

كذلك فإن اعتبار ظاهرةُ العولمة حتميةٌ قد لا يكون في الحقيقة أكثرَ من اعترافِ المرءِ بأنَّه لم يَعُد لديه طاقةٌ باقيةٌ للمقاومة، أي أنه قد نَفَدَ جُهدَه وأصبح مستعِدًّا للتسليم. فإذا كان هذا هو اختيار بعضهم، فهو ليس مُلزماً لغيرِهم، ومن الظلم على أيِّ حالٍ أن يوصفَ بالحتميةِ اختيار لا يعكسُ الإنفاذِ الطاقةِ أو استعجَالِ المكافَأةِ. وهو موقفٌ ظالمٌ لأنه يُحَمِّلُ عِدَّةَ أجيالٍ قادمةٍ عِبْءَ فشلِ جيلٍ بعينه. فاعتبارُ ظاهرةٍ ما حتميةٌ يتوقَّفُ أيضاً على المدى الزمني الذي يأخُذُهُ المرءُ في اعتبارِه. فقد يكونُ موضوعُ الهزيمةِ والتسليمِ أمراً حتمياً فعلاً بالنسبة إلى جيلِ آبائِناَ وأجدادِناَ ولكنه ليسَ بالضرورة حتمياً لجيلِناَ وجيلِ أولادناَ وأحفادِنا. لقد ارتكب "كمال أتاتورك" مثلاً هذا الخطأ في تركيا، باستعجاله التسليم وإعلان الهزيمة أمام حضارة الغرب، ولازالَ أحفاده حتى اليوم يحاولون إصلاحَ الخطأ الذي ارتكبَه.

ولكن، فلنفرض أننا قررنا المقاومةَ: مقاومةُ العولمة والشرق أوسطية، فإن مما يجدُر بنا أن نُحذرَ من الوقوع فيه هو أن نعتمدَ في هذه المقاومة على شيءٍ تمَّت عولمتُه بالفعل، وأقصد بذلك الدولة. إن الداعينَ إلى الصمودِ أمام تيارِ العولمة، وإلى مقاومة الشرق أوسطية، التي هي في نظري صورةٌ من صُوَرِها صيغت خِصيصًّا لمِنْطَقَتِنا العربية، يقعون في خطأِ الاعتقاد بأنَّ الذي يُمكنُ أن يُدَعِّمَهم في هذا الصمودِ هو دَوْلَتُهم، مع أن دَولَتَهم قد تمَّ استسلامها وجرتْ عولمتُها منذ زمنٍ. إنَّ المعارضةَ العربيةَ لاتجاهاتِ العولمة والشرق أوسطيةِ لازالت تُوجِّه الخطاب للدولة، فَتَسْتَجْدِيها مرةً، وتنتقدُها مرةً، وتمتدحُ موقفاً اتخذته ببعضِ سماتِ الشجاعة مرة، من دون أن تريدَ رؤية دُوَلِناَ قد أفصحت بأبلغ بيان ووضوح عن أنها قد انضمَّت بالفعل إلى معسكرِ العولمة. ألاَ تبدو مخاطبتُنا لها إذَن كَمَضْيَعَةٍ للْوَقتِ ؟ إننا مستمرون في اعتقادنا الخاطئ بأن الدولةَ لازالت دولةٌ محايدةٌ، وكأننا نستعذبُ هذا الاعتقاد لأننا نريدُ أن نتجنبَ أعباءَ مواجهة الحقيقة، فنستمرُّ في معاملةِ الدولةِ وكأنها دولةٌ محايدةٌ بين الطبقاتِ، بينما الأصْوبُ أن نعترفَ بأن الدولة في مِنطقتِنا العربيةِ قد أصبحتْ في الواقع، وللأسف، من أكثرِ أدواتِ العولمة فعاليةً ونشاطاً.

&

  الهوية والعولمة :

  جاء في المادة الأولى من إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي [14]:

                                           1.         " لكلِّ ثقافةٍ كرامةٌ وقيمةٌ يجب احترامها والمحافظةُ عليها.

                                           2.         من حقِّ كلِّ شعبٍ ومن واجبه أن يُنَمي ثقافَتَهُ.

               3.   تُشَكِّلُ جميعُ الثقافاتِ، بما فيها من تنوُّعٍ خِصبٍ، وبما بينها من تباينٍ وتأْثيرٍ متبادَلٍ، جُزْءًا من التراثِ الذي يَشتركُ في مِلكيتِهِ البشرُ جميعاً ".

  وليس في تنوع الهُويات وتعدُّدِ الخصوصيات ما يتعارضُ وقضاءَ المصالح المشتركة بين الشعوبِ والأممِ في إطار التعاون الإنساني القائم على قاعدتَيْ التعارف والتعايش. وإنما ينطوي هذا التنوعُ على عناصرٍ تغذي الميولَ الإنسانيةَ الفطريةَ نحو امتلاك أسبابِ التقدم والرُّقِيِّ بحافزٍ من التنافُسِ الطبيعي، وبوازعٍ من التدافعِ الحضاري.

ومادامت الهوية بهذا الرُّسوخِ في طبائعِ الأممِ والشعوبِ، فلا سبيلَ إلى تجاوُزِها، أو محوِها، أو انصهارِها في بَوْتقةِ هويةٍ واحدةٍ مُهيمنَةٍ ذاتُ سيطرةٍ ونفوذ. مهما تكنِ الذرائعُ، وبلغت ما بلغت الأسبابُ والدوافعُ، فليس في ذلك فقط خروجٌ على طبيعةِ الأشياء، وتمردٌ على سننِ الكونِ وفطرةِ الحياةِ، وإنَّما في محاولةِ إلغاءِ هوياتِ الشعوبِ بالقهرِ والقسرِ والإكراهِ، خرقٌ للقوانينِ المتعارفِ عليها عند البشر، ومسٌّ خطيرٌ بقواعدِ القانونِ الدولي، وتهديدٌ للأمن والسِّلم والاستقرار في العالم .

إنَّ فهمنا للهوية ينبني على تراثِنا الحضاري، فالهوية في ثقافتنا العربية الإسلامية هي الامتياز عن الأغيارِ من النواحي كافة. ولفظُ الهوية يُطلق على معانٍ ثلاثة: التَّشخص.. والشخص نفسه.. والوجود الخارجي، وجاء في كتاب [ الكليات ] لأبي البقاء الكَفَوي، أن ما به الشيء هو باعتبار تحقُّقِهِ يُسمى حقيقةً وذاتاً. وباعتبار تشَخُّصهِ يسمى هويةً. وإذا أخذَ أعمَّ من هذا الاعتبار يسمى ماهيةً.. وجاء في هذا الكتاب أيضا..أن الأمرَ المتعقِّلَ من حيثُ إنَّهُ مقولٌ في جوابِ (ما هو ) يسمى ماهيةً. ومن حيثُ ثبوته في الخارجِ يسمى حقيقةً. ومن حيثُ امتيازه عن الأغيارِ يسمى هُويةً[15].

والهوية عند "الجرجاني" في [التعريفات ] :

« الحقيقةُ المطلقةُ، المشتملةُ على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق»[16].

وتُستعمل كلمة " هوية "في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة " Identité " التي تُعبِّر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله [17].

وفي المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي:"حقيقة الشيء ،أو الشُّخُصِ المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تُميزه عن غيره،وتسمى أيضا وحدة الذات ".

ولذلك فإذا اعتمدنا المفهومَ اللغوي لكلمة " هوية "، أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث، فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز عن الغير، والمطابقةَ للنفس. أي خصوصيةَ الذات، وما يتميزُ به الفردُ أو المجتمعُ عن الأغيار من خصائصٍ ومميزاتٍ، ومن قيمٍ ومُقَوماتٍ.

وخلاصةُ القولِ، أنَّ الهوية الثقافيةَ والحضاريةَ لأمةٍ من الأممِ، هي القدرُ الثابتُ والجوهريُّ والمشتركُ من السِّماتِ والقَسماتِ العامةِ، التي تُميز حضارةَ هذه الأمةِ عن غيرها من الحضاراتِ، والتي تجعلُ للشخصيةِ الوطنيةِ والقوميةِ الأخرى[18].

فكيف يتسنى المحافظةُ على الهوية الثقافية والحضارية في ظل العولمة الباسطةِ نفوذَها اليومَ على المجتمع الدولي ؟ بل كيف يمكن التوفيق بين مقتضيات السيادة الوطنية، وبين متطلبات العولمة ؟.

إن اتجاهات العولمة تسير نحو التأثير السِّلبي على الهوية والسيادة معاً. وأولُ ما يثيرُ الانتباه عندَ التأمُّلِ في موقفِ الغربِ من هُوياتِ الشعوبِ. هو جمعُه بين موقفين متناقضين، فهو من جهة شديدُ الاعتزاز بِهوُيته حريصٌ عليها، وهو من جهة ثانية رافضٌ للاعتراف بالهويات الوطنية لشعوب العالم، لإحساسه بأن العولمة من شأنِها أن تؤدي إلى مزيدٍ من الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية. وتلك في نظر الغرب عموماً هي المعضلةُ الكبرى التي يصطدم بها، ويعبِّر مفكِّرُوه عن هذه الحيرةِ الفكريةِ بوضوحٍ وصراحةٍ لا مزيدَ عليهما.

ففي أحدثِ دراسة لصمويل هنتنغتون (  SAMUEL HUNTINGTON ) لم يسلَّط عليها الضوء كما جرى مع دراسة له سابقة، يتبين التناقض الذي تقع فيه القوة الجديدة المنفردة بزعامة العالم، وتتضح الحيرة العاصفة التي تسودُ مجتمع النخبة في الغرب. فقد كتب " هنتنغتون " في عدد شهري ( نوفمبر ديسمبر 1996 ) من مجلة [شؤون خارجية] [19]دراسة تحت عنوانٍ مثيرٍ للغرابة فعلا : [ الغرب: متفرد وليس عالمياً ]        The west Unique Not Universal) ) يُفرق فيها بين " التحديث" Modernization  وبين "التغريب" Westernization ، ويقول :

« إنَّ شُعوبَ العالمِ غيرُ الغربيةِ لا يمكنُ لها أن تدخلَ في النسيجِ الحضاريِّ للغرب، حتى وإنِ استَهلكتِ البضائعُ الغربية، وشاهدت الأفلام الأمريكية، واستَمَعت إلى الموسيقى الغربية. فروح أي حضارةٍ هي اللُّغةُ والدينُ والقيمُ والعاداتُ والتقاليدُ. وحضارةُ الغربِ تتميزُ بكونها وريثَةُ الحضاراتِ اليونانيةِ والرومانيةِ والمسيحيةِ الغربية. والأصولُ اللاتينيةِ لِلُغاتِ شعوبِها، والفصلُ بين الدين والدولةِ، وسيادةُ القانونِ، والتعدديةُ في ظلِّ المجتمعِ المدنيِّ. والهياكلُ النيابيةِ، والحريةُ الفرديةِ ».

  ويضيف قائلاً:

« إن التَّحديثَ والنموَ الاقتصادي لا يمكنُ أن يحقِّقاَ التغريبَ الثقافيَ في المجتمعاتِ غيرِ الغربيةِ، بل على العكس، يُؤديانِ إلى مزيدٍ منَ التمسكِ بالثقافاَتِ الأصليةِ لتلكَ الشعوبِ. ولذلكَ فإنَّ الوقتَ قد حانَ لكي يتخلَّى الغربُ عن وهمِ العولمة، وأنْ يُنمِّي قوةَ حضارتهِ وانسجامِها وحيويتهاَ في مواجهة حضاراتِ العالم. وهذا الأمرُ يتطلبُ وحدةَ الغربِ بقيادةِ الولايات المتحدة الأمريكية، ورَسْمَ حدودِ العالمِ الغربي في إطار التجانُسِ الثقافي ».

فهلِ العولمة صيغةٌ جديدةٌ من صيغِ المواجهة الحضاريةِ التي يخوضُها الغربُ، بالمفهوم العام للغرب. ضدَّ هوياتِ الشعوبِ وثقافاتِ الأممِ، ومن أجلِ فرضِ هيمنةِ ثقافةٍ واحدةٍ، وإخضاعِ العالم لسيطرةِ حضارةٍ واحدةٍ ؟.

إن العولمة بهذا المفهومِ تتعارضُ تعارضاً تاماًّ مع قواعدِ القانون الدولي، ومع طبيعةِ العلاقاتِ الدوليةِ، بل إنها تتعارضُ كليةً مع الاقتصاد الوطني، ومع السيادةِ الوطنية، ومع قانونِ التنوعِ الثقافي. والعولمة إذا سارت في الاتجاه المرسوم لها، ستكونُ إنذاراً بانهيارٍ وشيكٍ للاستقرار العالمي؛ لأن العولمة بهذا المضمونِ تضربُ الهوية الثقافيةَ والحضاريةَ في الصميم. وتنسفُ أساسَ التعايشِ الثقافي بين الشعوبِ. كما أنَّ العولمة بهذا المفهومِ الشمولي ذي الطابعِ القَسْرِي، ستُؤَدي إلى فوضى على مستوى العالمِ، في الفكرِ والسلوكِ، وفي الاقتصاد والتجارةِ، وفي الفنونِ والآداب، وفي العلوم والتكنولوجيا أيضا.

وعلى الرغم من ذلك كُلِّه، فإنَّ الإنسانيةَ لا تملكُ أن تُحرِّرَ في الوقتِ الراهنِ من ضغوطِ العولمة، نظراً إلى حاجيتها الشديدةِ إلى مسايرةِ النظامِ العالميِّ الجديد في اتجاهاته الاقتصادية والعلميةِ والتكنولوجيةِ، ولكنها تستطيعُ إيجادَ تيارٍ ثقافي مُضادٍ يقف في مواجهة روح الهيمنة التي تنطوي عليها هذه العولمة فكرةً ونظاماً، وتطبيقاً وممارسةً، وفي التعاملِ مع الآثارِ المترتبةِ عليها، في انتظارِ بُروزِ قوى عالمية جديدة ستكون مُنَاوِئةٌ للقُوةِ المتحكمةِ حالياً في مقاليدِ النظام العالميِّ، أو على الأقلِّ مُنافِسةٌ لها منافسةَ الند للند .

إن طائفةً من علماءِ المستقبلياتِ ومن الدارسينَ الإستراتيجيين، ومُعظَمُهُم من الغربِ نفسُه، يذهبونَ إلى القولِ بأنَّ اختلالا حاسماً سيقعُ في ميزانِ القِوى العالمية على المستويينِ السياسي والاقتصادي في العِقدِ الأول من القرن الحالي. وسيترتَّبُ على ذلك، انقلاب جذريٌّ في توجُّهاتِ العولمة، وهو الأمرُ الذي سيكونُ تعزيزاً وترسيخاً وإعلاءً للشرعيةِ الدولية القائمةِ على قواعدِ القانونِ الدولي، لا على منطقِ القوةِ والغلبةِ والظَّفرِ في معاركِ الحربِ الباردةِ .

إننا ومن خلالِ رؤيةٍ موضوعيةٍ إلى الواقعِ الدولي الراهنِ، نستطيعُ أن نقولَ، إنَّ الخيارَ المُتاحَ والمفتوحَ على المستقبل، هو أن تتظافَرَ الجهودُ الدوليةُ لترسيخِ مبدأَ التنوعِ الثقافي، ولإنعاشِ فكرةِ الحوارِ بين الثقافات والحضارات، وللتأكيد على ضرورةِ تفعيلِ التعاونِ الدولي الثقافي في إطارهِ الشاملِ الذي تندرجُ تحتَهُ كلُّ أنماطِ التعبيرِ الإنساني، وذلك للحدِّ من الآثارِ السِّلبيةِ للعولمةِ في شكلِها المُتَجَهِّمِ الذي لا يقيمُ اعتبارا للهوياتِ الثقافيةِ والحضاريةِ لشعوبِ العالمِ، والذي يؤدي إلى « ظروف عسيرةٍ عصيبةٍ بما يتلاحقُ من مشاكلٍ، ويتفجَّرُ من أزماتٍ، ويتجهَّمُ من سحابٍ، ويتطاولُ للمادةِ من نفوذٍ، ويتضاءلُ من جاهٍ للروح وسلطان، ويُشيع في النفوسِ من قلقٍ وخوفٍ. ويتوالى على الألسنةِ والقلوب من أسئلةٍ لا يطرحها التفاؤل والاستبشار »[20].

&

هل في استطاعة العولمة أن تُهدر الهوية ؟ 

هناك فريقٌ من المفكرين يعتقدون أن العولمة وُجدت لتكون بديلاً لكلِّ الانتماءات الأخرى، ويقفُ إلى جانب هذا الفريقِ سائرُ رجالِ الأعمالِ الذين لا يهمهم من الحياةِ إلا الكسبُ، يُضاف إلى هؤلاءِ فريقٌ آخرُ هو الفريقُ الضائعُ التَّالفُ الذي يشعرُ بالإحباطِ .

وقد كان من بين العناوينِ التي انتصبتْ أمامي وأنا أقرَأ عما كُتب حول هذا الموضوع، عنوان: " العولمة آتيةٌ لا محالة، وعلينا أن نعملَ في اتجاهِ أخلاقِ كوكبيةٍ مُشتركةٍ" كما كانَ ممَّا قرأتُه من عناوين :" الهوية تعني فكراً رجعياً بينما العولمة تعني فكراً تقدُّمياً ".

  على أن هناكَ فريقاً آخرَ يمكن أن نُنعتَه بالفريقِ المتفائلِ وهو الذي يميلُ إلى الاعتقاد بأنَّه لا يوجدُ تناقضٌ إطلاقًا بين العولمة وبين الهوية، فالعولمة تسيرُ في طريقها المعروفِ تعتمدُ على سيادةِ العِلم، بينما يكونُ من حق كل واحد أن يحتفظ بهُويته كما شاء وعلى الطريقة التي يريدها، ولو تعدَّدتِ الهوياتُ داخلَ هذهِ العولمةِ .

وهذا الفريقُ لا يُعجزه ضربُ الأمثلة بعددٍ منَ الدولِ التي بالرغمِ من أنَّ لُغتَها لُغةٌ مهجورةٌ عالمياً نُطقاً ورسماً، لكنها، أي تلكَ الدولُ، تُواكبُ العولمةَ بكلِّ أنواع المُواكبةِ في الوقتِ الذي تحتفظُ فيه بعادتِها وتقاليدها ومعتقداتِها. ويذكرونَ في صدر هذه الدولِ كمثالٍ على هذه المُرونةِ: اليابان والصين وكوريا، ولِمَ لا نذكرُ إسرائيل من بين تلك الجهاتِ التي نَعرفُ طريقةَ إملائِها وكتابتِها، ومع ذلك فإنها تقوم وبصفةٍ مستمرةٍ ومنتظمةٍ بترجمةِ سائِرِ الكتب العلميةِ التي تظهر بلغات أخرى في سائر بقاعِ العالم، تُترجمُها فوراً إلى لغاتِها الوطنيةِ على مختلَفِ الصُّعد حتى لا تضْعُفَ أمام مسايرة الرَّكبِ العالميِّ خُطوةً خطوة، في الوقت الذي تحافظ فيه على هُويةِ أبنائها وخصوصِيتِهم .

ومن هنا أتخلَّص إلى القولِ بأنه إذا كانَ من حقِّ الدُّولِ أن تختارَ لنفسها ما يناسبها، فإن علينا أن نكون في مقدمةِ الذين يستفيدون من العولمة شريطةَ أن نكون على أتَمِّ استعداد لمقاومةِ كلِّ المغرِياتِ التي قد تعملُ على إذابةِ شخصيتِنا والقضاءِ على ثوابتِ هُويتِنا.

  ولن تكون تلك المقاومةُ مجديةً ومفيدةً إلا إذا تمسَّكنا بلغتِنا وجعلناها وسيلتَنا عن طريقِ الترجمةِ الأمينةِ لتَلَقِّي سائرِ العلومِ، ولن تكونَ تلكَ المقاومةُ مجديةً ومفيدةً، إلا إذا عرفنا كيف نحترمُ نحن عقيدتَنا ونقومُ بشعائرِنا دون ما شُعورٍ بمركَبِ ضعفٍ إن ذلك هو الذي سيحمل الآخرين على الالتفات إلى مقوماتِنا .

&

العولمة: جدل العدوان والمقاومة الثقافيين :

ليس صحيحا أن العولمة الثقافية هي الانتقال من حِقبةِ ومن ظاهرةِ- الثقافاتِ الوطنيةِ والقوميةِ إلى ثقافةٍ عُليا جديدةٍ هي الثقافةُ العالمية أو الثقافة الكونيةُ، على نحوٍ ما يدَّعي مُسَوِّقُو فكرةِ العولمة الثقافيةِ، بل إنها بالتعريف فعلُ اغتصاب ثقافيٍّ وعدوانٍ رَمزي على سائرِ الثقافات. إنها رديفُ الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالتِّقاَنة فتنهَدِرُ سيادةُ الثقافةِ في سائرِ المجتمعاتِ التي تَبلُغها عمليةُ العولمة. وإذا كان يحلو لكثيرينَ أن يَتَحَذْلَقُوا بإِفراطٍ في الرَّدِّ على هذا الفهمُ للعولمةِ الثقافيةِ، فيرجُمُونَه بتُهمةِ الانغلاق الثقافي أمام تياراتِ العصرِ، والدعوةِ إلى الانكفاء والتَّشَرْنُقِ على الذاتِ ( والهوية، والأصالةِ، ومشْتقاتِهما ).

وإذا كان يحلو لهم أن يُعيدوا على أسماعنا مواويلَ الانفتاح الثقافي غير المشروطِ على "الآخر" للانتهال من موارِدِه ومُكْتَسَباتِهِ وكُشُوفِهِ المعرفيةِ إلخ، فإنه يَطِيبُ لنا أن نُلفِتَ انتباههم إلى وجوبِ وعي الفارقِ بين التَّثاَقُفِ والعُنفِ الثقافي من جانبٍ واحدٍ.

  يعني الأولُ الإصغاءَ المتبادَلَ من سائر الثقافاتِ بعضِها إلى بعضِها الآخرِ، كما يعني الاعتراف المتبادَلَ بينها، ومنه الاعتراف بحقِ الاختلاف وهو من أقدسِ حقوقِ الإنسانِ، فيما لا ينطوي الثاني سوى على الإنكارِ والإقصاءِ لثقافةِ الغيرِ، وعلى الاستعلاء والمركزيةِ الذاتيةِ في رؤيةِ ثقافتِه. يرادف الأولُ معنى الحوارِ والتفاهُمِ، بينما يتلازمُ معنى الثاني مع الإكراه والعدوان. أما الأهمُّ في الأمرِ، فهو أن التَّثاقُفَ يجري بين الثقافاتِ على قاعدةِ النِّدِّيةِ، وهو ما يمتَنِعُ دون اعتبار أيَّةِ ثقافةٍ لشخصِيَتِها وحُرمتِها الرَّمزِية، فيما لا يُعبِّر فعلُ الاختراق والتجاوُبُ معه سوى عن دونيةٍ يأباَها أيُ انفتاحٍ وأيُّ حوارٍ، هذا درسٌ بدائيٌ من دروسِ الأنثروبولوجيا الثقافيةِ المعاصرةِ حريٌ بدعاةِ الانفتاح أن يقرأوه قبل أن يفْتَتِحُوا طقوسَ التبشير.

  أيُّ اختراقٍ ثقافي هذا الذي نعنيه..أو ماذا يُمكنُها أن تكونَ تلكَ العولمة الثقافية إن لم تكن صناعةٌ لثقافةٍ عالميةٍ جديدةٍ ؟

ليست العولمة تلك في مفهومنا- سوى السيطرةُ الثقافيةُ الغربيةُ على سائرِ الثقافات، بواسطة استثمار مكتسباتِ العلوم والتِّقانةِ في ميدانِ الاتصال. وهي التَّتويجُ التاريخِيُّ لتجربةٍ مديدةٍ من السيطرة بدأت منذ انطلاق عملياتِ الغزوِ الاستعماري منذ قرونٍ، وحقَّقت نجاحاتٌ كبيرةٌ في إلحاقِ التصفيةِ والمسخ بثقافاتٍ جنوبيةٍ عديدةٍ، وبخاصة في إفريقيا وأمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية. ولعلَّ هذا ما يؤكدُ من أن العولمة لا تُؤرخ لنهاية عصرِ الدولة القومية، بل تُعلن عن ميلادِ حقبةٍ جديدةٍ من تمدُّدِها المستمر، وليس ما يُدعى بالعولمةِ الثقافيةِ اليوم، إلاَّ مظهراً من مظاهرِ تلك التَّمدُّد خارج الحدودِ، الذي هو آليةٌ طبيعيةٌ في نظام اشتغال الدولةِ القوميةِ الحديثةِ.

  على أن هذه السيطرةُ الثقافيةُ الغربية العامة تنطوي في داخلِها- على علاقةٍ أخرى من السيطرةِ تجعل ثقافات غربية عديدة في موقع تبعيٍّ لثقافةٍ أقوى تتمدَّدُ أحكامُها على امتدادِ سائر العالم. أما هذه السيطرةُ التي نعني، فهي التي يُمكنُنا التعبير عنها بعبارة "الأمْرَكَةُ " "A mericanisation " والعولمة في ما نزعم هي الإسمُ الحركيُّ لها. ليست الأمْركَة أسطورةٌ جديدةٌ من أساطيرنا السياسية، ولا هي شماعة نُعلِّق عليها إخفاقاتِها وعجزِنا، بل هي حقيقةٌ ماديةٌ تعيشُها أوروبا نفسها، وتحتَجُّ عليها، وتُنظِّمُ مقاوَمَتَها ضدَّها، وتَعتَبِرُها خطراً إستراتيجِياً يهدِّد استقلالها الاقتصادي والسياسي وهُويتَها الثقافية. وقد تكون مُقاوَمَةُ فرنسا لها بمناسبةِ مفاوضاتِ " الغاَت " ودِفاعُها عماَّ باتَ يُعرف باسم الاستثناء الثقافي. أسطعُ دليلٍ على وُجودِها وعلى مخاطرِها، وهي للتذكير- مقاومةٌ حقيقيةٌ وشرِسَةٌ وليست مسرحية سياسيةٌ للضحِك على ذُقونِ أهلِ العالم الثالث.

&

     كيف يمكن التعامل مع ظاهرة "العولمة " ؟

  ما العمل إزاء هذه السلبياتِ والأخطار التي تطبَعُ علاقةُ العولمة بالعرب على صعيد الهوية الثقافية ؟

هناك موقفان سهلان، وهما السائدان :

  موقف الرفضِ المطلقِ وسلاحُه الانغلاق الكليُ وما يتبعُ ذلك من ردود فعلٍ سلبيةٍ محاربةٍ.

  وموقف القَبولِ التام للعولمةِ وما تمارسُه من اختراق ثقافي واستتباعٍ حضاري، شعاره "الانفتاح على العصرِ" و " المراهنةُ على الحداثةِ "

  لا مفرَّ من تصنيفِ هذين الموقفين ضمن المواقف اللاتاَريخِيةِ التي تواجه المشاكلَ، لا بعقلٍ واثقٍ بنفسه متمَكِّنٍ من قُدُراتِه، وإنما تسْتَقْبِلها بعقلٍ " مُستقيلٍ" لا يرى صاحبَه مَخرجاً من المشاكل إلا بالهروبِ منها، إما إلى الوراء وإما إلى الأمام، كلُّ سِلاحِه رؤية سحرية للعالَم تقفزُ على الواقع إلى اللاواقع.

  إنَّ الانغلاق موقف سلبي، غيرُ فاعل، ذلك لأن فعلَه " المُوَجَّه " ضد الاختراق الثقـافي أي محاربَتَه له- لا ينالُ الاختراق ولا يمسُّه ولا يفعلُ فيه أيُّ فعلٍ، بل فعلُه مُوجَّه كلُّهُ إلى الذاتِ قصدَ " تحصينها ". والتحصينُ إنما يكونُ مفيدا عندما يكون المتحاربانِ على نسبةٍ مَعقولةٍ من تكافؤِ القِوى والقدرات.

أما عندما يتعلق الأمر بظاهرةٍ عالميةٍ تَدخل جميع البيوت وتفعل فِعلَها بالإغراء والعدوى والحاجة، ويَفرضها أصحابُها فرضاً بتخطيطٍ واستراتيجيا، فإنَّ الانغلاق في هذه الحالةِ ينقلبُ إلى موتٍ بطيء، قد تتخلَّلُه بُطولات مُدهشة، ولكنَّ صاحبَه محكومٌ عليه بالإخفاقِ.

ومثلُ الانغلاق مثلٌ مقابله: الاغتراب[21].. إنَّ ثقافةَ الاختراق، أعني  إيديولوجيةَ الارتماء في أحضانِ العولمة والاندماج فيها، ثقافةٌ تنطلقُ من الفراغِ، أي من اللاهُوية، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تبني هويةً ولا كياناً. يقول أصحاب هذا الموقف: إنه لا فائدة في المقاومة ولا في الالتجاء إلى التراثِ، بل يجب الانخراط في العولمة من دون تردُّدٍ ومن دونِ حدودٍ، لأنها ظاهرةٌ حضاريةٌ عالميةٌ لا يمكن الوقوفُ ضِدها ولا تحقيقُ التقدُّمِ خارجَها. إن الأمرَ يتعلقُ  بـ" قطارٍ يجب أن نركبَهُ " وهو ماضٍ في طريقِه بنا أو من دُونِناَ.

  وبعيداً عن مناقشةٍ جِداليةٍ لهذه الدعوى، يكفي التَّنبِيهُ إلى أنَّها الدعوى نفسُها التي سبق أنِ ادَّعاهاَ ونادى بها مفكرون عرب رُواد منذ أزيدِ من قرن، ومنذ ذلك الوقتِ وهي تتردَّدُ وتتكرَّرُ هنا وهناك في الوطن العربي، تبَنَّتْها حكوماتٌ وأحزابٌ فضلاً عن الأفراد...ومع ذلك فحَصيلةُ قرنٍ كاملٍ من التبشيرِ بهذه الدعوى، - دعوى " الاغتراب"- لم تُنتج سوى فئةٌ من " العصرانيين " قليلة العدد، نشاهدُ اليومَ تناقصاً نسبياً واضحاً في حجمها، بينما ازدادَ ويزدادُ الطرفُ المقابلِ لها عددًا وعدَّةً، كماًّ وكيفاً، في جميعِ الأقطارِ العربيةِ وداخلَ جميع الشرائحِ الاجتماعية. وهكذا فبدلاً من تياراتٍ "حداثية " تُمارسُ الهيمنةِ والقيادةِ تستقطبُ الأجيالَ الصَّاعدةَ، بدلاً من ذلك يسودُ الحديثُ عن "الأصوليةِ الدينيةِ" بوصفها الظاهرة المهيمنة .

  أما نحن فنرى أن الجوابَ الصحيحَ عن سؤالٍ " ما العمل "؟- سواء إزاء الثنائيةُ (ثنائية التقليدي والعصري) والانشطار اللَّذين تُعانيهما الثقافةُ العربيةُ، أو إزاء الاختراق الثقافيُّ وإيديولوجيةُ العولمة - يجب أن ينطلقَ أولاً وقبل كلِّ شيء مِن العملِ داخلَ الثقافةِ العربيةِ نفسها، ذلك لأنه سواءٌ تعلق الأمرُ بالمجالِ الثقافيِّ أو بغيرهِ. فمن المؤكد أنه لولا الضَّعفُ الداخلي لَماَ استطاعَ الفعلُ الخارجيُّ أن يمارسَ تأثيرَه بالصورةِ التي تجعلُ منه خطراً على الكيانِ والهوية .

  إن الثنائيةَ والانشطار ( ثنائية التقليدي والعصري، ثنائية الأصالة والمعاصرة في الثقافة والفكر والسلوك ) إنما يعكسان وضعيةً ثقافيةً لم تتِم بعد إعادةُ بِنائِها. ثقافةٌ يتزامنُ فيها القديمُ والجديدُ، والأصيلُ والوافدُ، في غير ماَ تفاعلٍ ولا اندماج- على حدِّ تعبير الدكتور محمد عابد الجابري-[22]، وهذا راجعٌ إلى أن التجديدَ في ثقافتناَ كان يُرادُ لهُ، منذ أزيدَ من قرن أن يتم من " الخارج ": بنشر الفكرِ الحديثِ على سطحها، لأن تجديدَ الثقافة.. أية ثقافة.. لا يمكن أن يتم إلا من داخلها، بإعادةِ بنائها ومُمارسةِ الحداثةِ في معطياتها وتاريخها  والْتِماسِ وجوهٍ من الفهمِ والتأويلِ لمسَارها تسمحُ بربطِ الحاضرِ بالماضي في اتجاه المستقبل.

  إن حاجتنا إلى تجديد ثقافَتنا وإغناءِ هُويتناَ والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومةِ الغزو الكاسح الذي يمارسه، على مستوى عالمي، إعلامياً وبالتالي إيدْيُولوجياً وثقافياً، المَالِكُون للعلمِ والتِّقانةِ المسخِّرونَ لهما لهذا الغرض، لا تقلُّ عن حاجتِناَ إلى اكتسابِ الأُسُسِ والأدواتِ التي لابدَّ منها لمُمارسةِ التحديثِ ودخولِ عصرَ العلم والتِّقانةِ. دخول الذواتِ الفاعلةِ المستقِلَّة وليس دخول" الموضوعات" المنفعلة المسيَّرة  .

  نحنُ في حاجةٍ إلى التحديث، أي إلى الانخراط في عصرِ العلم والتِّقانة كفاعلينِ مُساهمين، ولكننا في حاجة كذلك إلى مقاومةِ الاختراق وحمايةِ هُويتنا القوميةِ وخصوصيتناَ الثقافيـةِ من الانحلال والتلاشِي تحتَ تأثيرِ مَوجاتِ الغزوِ الذي يمارَس علينا وعلى العالمِ أجمــع بوسائلِ العلم والتِّقانة، وليس هاتانِ الحاجتانِ الضروريتانِ متعارضتينِ كما قد يَبدو لأوَّلِ وهْلة، بل بالعكس هما متكاملتانِ، أو على الأصح مُتلازمتاَنِ تلازُم الشَّرط مع المشروطِ.

  ومن الحقائقِ البديهيةِ في عالمِ اليوم، أنَّ نجاحَ أيُّ بلدٍ من البلدانِ، الناميةِ منها أو التي هي في " طريق " النمو،  نجاحها في الحفاظِ على الهوية والدفاعِ عن الخصوصيةِ، مشروطٌ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى بمدى عمق عمليةِ التحديثِ الجاريةِ في هذا البلد، عمليةُ الانخراط الواعي، النامي والمتجدر، في عصرِ العلم والتِّقانةِ.

والوسيلةُ في كلِّ ذلك واحدةٌ : اعتماد الإمكانياتِ اللامحدودة التي توفرها العولمة نفسُها، أعني الجوانبُ الإيجابية منها، وفي مقدمتها العلمُ والتِّقانة. وهذا ما نلمسُه بوضوح في تخطيطاتِ الدولِ الأوربيةِ التي يدقُّ في كثير منها ناقوسُ خطرِ " الغزو الأمريكي" الإعلامي الثقافي الذي يتهدَّدُها، في لغتِها وسلوكِ أبنائِها وتصَوُّراتِهم الجمعية، والتي يوظف أرقى وسائل العلم والتِّقانة ومنها الأقمار الصناعية في اكتساح مختلَف الحقولِ المعرفيةِ والخصوصياتِ الثقافية .

إن أوربا اليومَ تتحدث حديث الخصوصية والأصالة، وتتحدث عن " الهوية الأوربية " تعزيزا لسيرها الجِدِّ على طريقِ تشييدِ الوحدةِ بينَ شعوبِها وأقطارِها، بخطواتٍ عقلانيةٍ محسوبةٍ في إطارٍ من الممارسةِ الديمقراطيةِ الحقَّة. وهي بذلك تُقدِّم لمستعمراتِها القديمةِ، ( أقطارِ العالمِ الثالثِ كلِّه )، نموذجاً صالحاً للإقتداءِ به بعد ملاءمَتِه مع الخصوصيات المحلية .

  إن جُلَّ الحكوماتِ العربية، إن لم يكن جميعُها، تسعى اليومَ لتحقيق " الشَّراكة " مع أوربا، الشراكةُ في مجال الاقتصاد، وأيضا في مجال الثقافة، ومع أن هذه الشراكة المطلوبةِ تُمليها على الجانبينِ ظرفيةٌ تحكُمها المصالحُ القومية، فإنَّه لاشيءَ يضمنُ تحوُّلَها إلى عولمةٍ أخرى داخلَ العولمة الكبرى، غير شيء واحد، هو بناءُ الشراكةِ في الداخل كما في الخارج على الديمقراطية والعقلانية.

  فهل للشعوب العربية أن تطالب بالشراكة مع أوربا في مجال اعتمادِ العقلانية والديمقراطية، في الفكر والسلوك، في التخطيط والإنجاز، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة ؟

&

استنتاج :

من خلال ما سبق نستنتج ما يلي :

  العولمة تدعو إلى تجاوز الهوية القومية ( الدين .. اللغة .. الأرض..التاريخ)، لصالح "هوية" أوسع. هوية كونية .فماذا يفعل الذين ما يزالون يسألون مَن نحن ؟. ماذا سيصنع الذين يدخلون القرن الواحد والعشرين بدون هوية، أو بدون (إنية) واضحة.

  العولمة في بُعدها الاقتصادي، تعني هيمنة الشركات الاقتصادية، والمؤسسات المالية الكبرى واحتكار الأسواق، ومصادر الغِنى والثَّراء المادي، من طرف الأقوياء . وتسخير الضعفاء لخدمة التوجه الاقتصادي الليبرالي والأمريكي بامتياز. فما مصير الدول الضعيفة، والتي ما تزال تبحث عبثاً عن تنمية مُستديمة، دون جدوى؟ ما مصير دول  ضعيفة معزولة متخلفة، أمام زحف تكَثُّلات اقتصادية ضخمة لا ترحم ؟.

  والعولمة في بُعدها السياسي مرة أخرى، تعني من ضِمن ما تعنيه المزيد من الدَّعم والتَّمكين للمشروع الصَّهيوني الاستيطاني. فمذا يصنع الذين ما يزالون يجادلون حول كينونة (إسرائيل)، وضرورة مواجهتها، أم لا، وكيفية ذلك ؟.

هكذا هي العولمة، وغير  العولمة، مما سيصنعه الأقوياء، الذين لن يتوقفوا عن إثبات زعامتهم، وتأكيد ريادتهم، وأستاذِيتهم على الآخرين. وسيبقى على المتخلِّفين، والمتردِّدين، والتابعين، أن يسجلوا قوميتهم الحقيقية، أو يُوقِّعوا موتهم التاريخي الأخير.

&

خاتمة :       

وسأختم حديثي هذا، بالعودة مرة أخرى إلى الجواب عن سؤالي، بالسَّلب، أي أنه ليس في استطاعة العولمة أن تقضي على هُوية الناس، بل إن الأمرَ على العكس من ذلك، فإنه بمقدارِ ما يشعُر المرءُ بأن هناك جهةٌ ماَ تقصد إلى النَّيل من ماضيه والإجهاز على شخصيته وهدْرِ كرامتِه، هناك يأخذ في البَحثِ عن جُذورِه وأصولهِ، وهناك تتكاثفُ جهوُده ليعبِّرَ عن حُضورِه وَوُجودِه بكلِّ الوسائلِ التي يمْتَلِكُها .

  رأينا هذا رؤْياَ عينٍ في بعضِ مُهاجِرينا إلى الخارج مِمَّن كُنا نعتقد أنهم ابْتُلِعوا ورَاحوا، ولكناَّ لم نَلبث أنْ سمِعْناَ هؤلاء أنْفسَهم يطرقون علينا البابَ ليسألوا عن ماضيهم.. وأخشى ما نخشاه من محاولة العولمة هدرَ الهوية، أن يتنبَّه أصحابُ الهويات إلى ما يُحدَق بهم، وهناك تكون المواجهةُ على أشَدِّها بين الهوية والعولمة .. هذه المواجهةُ التي سوف لا تنتهي إلا باحترامِ العولمة الهوية، واعتراف الهوية بجدوى التعاون في إطار العولمة.

ويمكن القول إنه في الفترة الأخيرة فقط، بدأت تباشيرٌ بدراسات جادة رصينة للعولمة وبتأثيراتِها في الوطن العربي، وربما يكون هذا الجهد علامة على طريق الفهم المُتعمق لظاهرةٍ مُعقَّدة ومركبة، ويمكن في ضوءِ هذا الفهمِ صياغةُ إستراتيجيةٍ عربيةٍ وقوميةٍ، تستدبر المواجهة الرافضةِ رفضاً مطلقاً، وتستشرف للتفاعل الحي الخلاَّق، لكن هل تسمحُ بهذه الإرادة السياسية العربية القومية ؟ هذا هو السؤال، وهو صلبُ الأزمة الراهنة في الوطن العربي .

?تحياتي إلى قارئي العزيز...

مسرد المصادر والمراجع

          1.       أسئلة يجب الوعي بها..محمد عابد الجابري، الشرق الأوسط 04/02/1997.

          2.       الأموال س1 ع 2.

          3.       أيديولوجيا العولمة الإمبراطورية العالمية..محمد عابد الجابري، الشرق الأوسط 06/02/1997.

          4.       الإغتراب العربي..ذ.محمد عادل التريكي، ضمن سلسلة مقالاته في: قضايا فكرية معاصرة..( مكتبته الخاصة).

          5.       التعريفات..الشريف علي بن محمد الجرجاني، طبعة دار الكتب العربية 1998  بيروت.

    6.   التغريب وخطره على العالم الإسلامي..ذ. محمد عادل التريكي، ضمن سلسلة مقالاته في : قضايا فكرية معاصرة..( مكتبته الخاصة).

    7.   قضايا في الفكر المعاصر..محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى يونيو 1997  بيروت.

          8.       الشرق الأوسط 02/02/1997.

          9.       الشرق الأوسط 03/02/1997.

   10.  العولمة والهوية الثقافية : عشر أطروحات..محمد عابد الجابري، المستقبل العربي، عدد 228 فبراير 1998، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت.

        11.     العولمة والدولة..جلال أمين، المستقبل العربي، عدد 228 فبراير 1998، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت.

   12.  الكليات..أبو البقاء الكفوي، تحقيق: د.عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى/ 1992  بيروت.

        13.     مأزق أيديولوجيا العولمة..السيد ولد أباه، الشرق الأوسط 02/02/1997.

        14.     مجلة الهلال..د.محمد عمارة، فبراير 1997  القاهرة.

        15.     الموسوعة الفلسفية العربية، الطبعة الأولى/1986 معهد الإنماء العربي بيروت.


[1] أسئلة يجب الوعي بها .. الدكتور محمد عابد الجابري ..الشرق الأوسط 4/2/1997.

[2] مأزق إيديولوجيا العولمة..السيد ولد أباه ..الشرق الأوسط 2/2/1997 .

[3] الأموال ..س 1 ع 2 ص: 118.

[4] الشرق الأوسط 2/2/1997.

[5] الشرق الأوسط 2/3/1997.

[6]  إيديولوجيا العولمة الإمبراطورية العالمية..د/محمد عابد الجابري..الشرق الأوسط 6/2/1997.

[7] قضايا في الفكر المعاصر.د/محمد عابد الجابري.مركز دراسات الوحدة العربية ..الطبعة الأولى يونيو 1997 بيروت، ص: 140.

[8] سورة الملك، الآية: 16.

[9] العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات، د/محمد عابد الجابري المستقبل العربي عدد 228 2/1998 ص: 16 وما بعدها .

[10]  المستقبل العربي..جلال أمين عدد228 2/1998 ص: 23-24.

[11] الأموال س1ع 2 ص: 118.

[12] الأموال س1 ع2 ص: 118-119..فرصة تاريخية تكنولوجيا المعلومات والاتصال..22/1/1997.

[13] قضايا في الفكر المعاصر..د/محمد عابد الجابري ، ص: 149.

[14] أصدره المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في دورته الرابعة عشرة يوم 4 نوفمبر 1966.

[15] الكليات: أبو البقاء الكفوي (توفي:1094هـ )..تحقيق.د/عدنان درويش ومحمد المصري ..ص: 961 ، مؤسسة الرسالة،الطبعة الأولى 1992 بيروت.

[16] كتاب التعريفات..الشريف علي بن محمد الجرجاني .. ص: 257 طبعة دار الكتب العلمية- بيروت 1995.

[17] الموسوعة الفلسفية العربية..المجلد الأول، ص: 821 ، الطبعة الأولى 1986 معهد الإنماء العربي- بيروت.

[18] مجلة الهلال ..د/محمد عمارة.. فبراير 1997 القاهرة .

[19] Samuel Huntigton ( The west : Unique Not Universal )  Foreign Affairs vol 75 N° 6 Nov / Dec 1996 pp,28-46 .

[20] من قول ملك المغرب الحسن الثاني رحمه الله .

[21] انظر:  " الاغتراب العربي " و " التغريب وخطره على العالم الإسلامي" ضمن سلسلة مقالاتنا في: قضايا فكرية معاصرة.

[22] المستقبل العربي. .عدد: 228 – 2/1998، ص: 16.

Posté par triki à 10:19 - Commentaires [0] - Rétroliens [0]

16 mars 2010

تأصيل الحداثة وعصرنة التراث

    بين كوننا شكلا في العالم الحديث، وكوننا جوهرا من خارجه، يضطرنا إلى معاناة قضايا مجتمع قديم في عالم حديث، ومعاناة قضايا عالم حديث في مجتمع قديم. ففي التعبير عن معاناتنا تلك نعرض أنفسنا لإنتاج فكر أصيل وعمل حديث يجده الفرد العربي صالحا له أينما حل وارتحل.

لكن، قبل هذا، نشير إلى أن معركة اليوم تعيدنا إلى ثقافة الأسئلة، وتفرض علينا نقلة منطقية وحتمية من التساؤل عن « الأنا؟ » إلى التساؤل عن « نحن؟ ». يفرض السؤال نفسه، إذن، بأبعاد أوسع: من نحن؟

في محاولة للإجابة عن السؤال الجوهري، ربما يستحسن أن نبدأ من النهاية، أن نبدأ من نقطة يتفق عليها الجميع، وهي أن الشرْخ الذي يعيشه المثقف العربي أو الفصام الذي يتهدده كل يوم، يرجع إلى غياب المشروع الثقافي والحضاري، القومي أو العربي. قد يرى البعض أن هذا التشخيص يعاني التبسيط الشديد. لكنه، في حقيقة الأمر، يقع في قلب الشرخ الثقافي العربي. فالأمر لا يحتاج إلى كثير ذكاء أو تمحيص لندرك أننا في أي بقعة من بقاع العالم العربي، لا نملك مشروعا ثقافيا قوميا، سواء على المستوى الإقليمي، أو على المستوى العربي العام، وأن جميع محاولاتنا لتحقيق هذا المشروع أو المشاريع كانت تؤدي دائما إلى طريق مسدود يؤكد الفصام ويوسع الشرخ، بل إن محاولتنا في أحيان كثيرة لم تتعد مرحلة الكلام بغرض الاستهلاك المحلي. على الرغم من كل ما تتشدق به مجالسنا وهيئاتنا ومؤسساتنا الثقافية من خطط للعمل الثقافي، فإننا لم ننجح حتى الآن، ومنذ اتصالنا بالغرب وثقافته في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أو منذ السنوات الأخيرة من القرن السابق عليه.

ولسنا بحاجة في هذا السياق للتوقف عن المشروع الثقافي في محاولة لتعريفه، يكفي أن نقول إننا لا نقصد هنا خطة للعمل الثقافي تقوم هيئة أو سلطة ( ممثلة في حكومة أو وزارة للثقافة ) بوضعها بطريقة واعية مدركة، يتم فيها وضع البرامج وتسمية الآليات التي تمكِّن الجماعة من تحقيق الهوية الثقافية والحفاظ عليها. إذ أن مرحلة التخطيط والتنفيذ هذه، تمثل مرحلة تالية للمشروع الثقافي القومي، وفي غيبة هذا المشروع تصبح الخطط والأنشطة التنفيذية لها مجرد مسكنات مؤقتة ومرحلية، قد تتعارض وتتصادم مع خطط وآليات تنفيذ أخرى، عند حدوث تغير في السلطة المسؤولة، أو المنوط بها تنظيم العمل الثقافي. لكننا نقصد تحرك القوى الاجتماعية في اتجاه يحقق تحديد الهوية الثقافية للجماعة، والحفاظ عليها من الذوبان في ثقافة أو ثقافات الآخر في أثناء تفاعلها معه أو احتكاكها به، في عصر أصبح الاحتكاك بين الثقافات قدرا محتوما. ربما لا يعني ذلك قيام سلطة أو سلطات عليا بالتحكم في مسار القوى الاجتماعية بصورة إرادية واعية تماما، ولكنه يعني تحقق قدر أدنى من التحكم في ذلك المسار وتوجيهه، مما يعني في المقابل درجة من التحكم في التغيرات الاجتماعية التي هي أساس الأنشطة الثقافية. فقرار فتح السوق مثلا أمام قوى الإنتاج والاستهلاك، وهو قرار سياسي سلطوي، يؤدي إلى إحداث تغيرات اجتماعية جذرية تؤدي بدورها إلى خلق حساسية خاصة بها، ومن ثم، إلى إفراز أدب وفكر خاصين بتلك التغيرات الجديدة. وإغلاق السوق وتوجيه الإنتاج وترشيد الاستهلاك قرار سياسي سلطوي، يؤدي إلى تداعيات مختلفة على المستويين الاجتماعي والثقافي. هذا هو قدر التحكم الذي نقصده والذي يمكن أن يؤدي في ظل وضوح كامل للرؤية، إلى تطوير مشروع ثقافي قومي.

وتلح علينا ثقافة الأسئلة: هل نحن شرقيون أم غربيون؟ هل نعيش حالة المجتمع الحديث أم حالة المجتمع القديم؟ هل ننتمي إلى التراث العربي أم إلى التراث الغربي؟ قد تعني الإجابة والقدرة على تحديد هويتنا الثقافية القدرة على اتخاذ قرار يرضي البعض ويغضب البعض الآخر. لكن الاتفاق يفترض أنه سوف ينهي حالة الفصام، ويضع حدا للشرخ ويرأب الصدع. وهكذا سنعود إلى درجة من التوحد الصحي والكلية التي راوغتنا لما يقرب من قرنين من الزمان. عندئذ سنكون أسعد حالا بعد أن نخرج من الدائرة الجهنمية الحالية، التي ندور داخلها مغمضي العيون، مسلوبي الإرادة، تتقاذفنا تيارات القديم والجديد دون أن ننجز شيئا، يتمثل جل جهدنا في السير فوق أحبال التوازنات الدقيقة.

وهنا نسأل مرة أخرى: ماذا حدث؟ وأين أخطأنا؟ وما الذي أوصلنا إلى ذلك الشرخ، وذلك الفصام المؤلمين؟ ماذا حدث حتى وصل البعض منا في انبهاره بالغرب والثقافة الغربية إلى درجة العماء الكامل، الذي أفقدهم القدرة على الاختلاف؟ ما الذي حدث حتى وصل البعض، وسط انبهارهم بالعقل الغربي وإنجازاته، إلى درجة احتقار العقل العربي وإنجازاته؟

إن الإجابة لا تكمن، كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، ممن ينشدون إجابة سهلة، في الحداثة أو ما بعد الحداثة أو في الاثنين معا. على الأقل لم تكن الحداثة نقطة بداية الشرخ؛ بل كانت مرحلة متأخرة يرى البعض أنها بدأت بعد نكسة 1967، ثم أصبحت تيارا قويا عالي الصوت في بداية الثمانينيات. والواقع أن الحداثة وما بعدها كانتا نتيجة ولم تكونا سببا. صحيح أنهما تمثلان ذروة الارتماء في أحضان الثقافة الغربية، لكنها ذروة سبقتها عملية اتجاه واعية ومدركة نحو الغرب وثقافته، بدأت في أثناء تحديث التعليم وابتعاث الشباب إلى أوروبا.

ثم يصبح جسر التأثير الغربي في الثقافة العربية طريقا واسعا ممهدا عن طريق الاستعمار الغربي. فلم يعد الأمر مقصورا على فئة محدودة من الأفراد يبتعثون إلى أوروبا لتعود بانبهارها إلى الثقافة العربية؛ لتحاول تحديث العقل العربي، أو مجرد اقتباس أنظمة تعليم أوروبية حديثة تطبق في عدد محدود من المدارس، بل تعداه إلى غزو بشري عسكري يؤكد التفوق العسكري والثقافي للمنبهرين، ويفرض التبعية على المترددين.

أين أخطأنا إذن؟

أخطأنا حينما حولنا صفقة « التحديث » التي تعني الحفاظ على منجزات العقل العربي من الاستفادة من منجزات العقل العربي في العلوم والتكنولوجيا، كما فعلت اليابان على سبيل المثال حتى عهد قريب، إلى صفقة حضارية وثقافية شاملة، وتحولنا من الانتقاء الذكي من ثمرات الحضارة الغربية، منذ ذروة عصر النهضة، إلى الارتماء الكامل لمنجزات العقل العربي، وهو ما يسمونه بلغة الحداثيين البراقة: "القطيعة المعرفية مع الماضي"، على أساس أن الحداثة لا تتم إلا بتحقيق القطيعة المعرفية مع التراث.

باختصار مؤلم، أخطأنا حينما جمعنا بين الانبهار بالعقل العربي ومنجزاته، وبين احتقار العقل العربي والتنكر لمنجزاته والتقليل الكامل من شأنها.

من هنا أسوق كلاما لمحمد عابد الجابري الذي أراه صائبا فيما ذهب إليه حين يقول:

« نسمع من حين لآخر أصواتا تضع بصورة أو بأخرى، "الاشتغال بالتراث"  موضع السؤال: "لماذا كل هذا الاهتمام بالتراث؟ ألا يتعلق الأمر بردة فكرية؟". بل هناك من يذهب إلى حد القول إن الأمر يتعلق بظاهرة مَرضية، بـ" عصاب جماعي" أصاب المثقفين العرب بعد نكسة 1967م، فارتدوا ناكصين إلى الوراء، إلى"التراث". والذين يقولون هذا يشتكون من أن الاهتمام بـ"التراث" وقضاياه يصرف عن الاهتمام بـ"الحداثة" ومتطلباتها. إنهم يرون أو يتخيلون أن التراث العربي الإسلامي هو، ككل تراث، مجرد بضاعة تنتمي إلى الماضي ويجب أن تبقى في الماضي وبالتالي فلا يشتغل بها -إذا كان ولابد- إلا المختصون الأكاديميون في دراسة شؤون الماضي، وفي هذه الحالة يجب أن ينحصر الاهتمام به في إطار قاعات الدرس الجامعي وصفحات المجلات العلمية المختصة وحدها. بعبارة أخرى أن هؤلاء المشتكين من اهتمام المفكرين العرب المعاصرين بالتراث، هذا الاهتمام "الزائد" يعتقدون أن ذلك إنما يتم على حساب الاهتمام بـ"الحداثة".

ونحن نعتقد أن هذا الموقف ينم عن عدم تقدير كاف للمشكل المطروح في الثقافة العربية، ذلك أن ما يميز الثقافة العربية منذ عصر التدوين إلى اليوم هو أن  "الحركة" داخلها لا تتجسم في إنتاج الجديد، بل في إعادة إنتاج القديم، وقد تطورت عملية الإنتاج هذه منذ القرن السابع  إلى تكلُّس وتقوقع واجترار، فساد فيها ما سبق أن عبرنا عنه بـ"الفهم التراثي للتراث"وهو الفهم الذي مازال سائدا إلى اليوم، ومن هنا كان من متطلبات الحداثة، في نظرنا، تجاوز هذا "الفهم التراثي للتراث" إلى فهم حداثي، إلى رؤية عصرية له، فالحداثة في نظرنا، لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بـ" المعاصرة " أعني مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي، صحيح أن من شأن الحداثة أن تبحث عن مصداقية أطروحاتها في خطابها نفسه، خطاب بـ" المعاصرة" وليس في خطاب "الأصالة" الذي يُعنى بالدعوة إلى التمسك بالأصول واستلهامها، ولكن صحيح أيضا أن الحداثة في الفكر العربي المعاصر لم ترتفع بعد إلى هذا المستوى، فهي تستوحي أطروحاتها وتطلب المصداقية لخطابها من الحداثة الأوربية التي تتخذها "أصولا" لها. وحتى إذا سلمنا بأن الحداثة الأوربية هذه تمثل اليوم حداثة "عالمية" فإن مجرد انتظامها في التاريخ الثقافي الأوربي، ولو على شكل التمرد عليه، يجعلها حداثة لا تستطيع الدخول في حوار نقدي تمردي مع معطيات الثقافة العربية لكونها لا تنتظم في تاريخها. إنها إذ تقع خارجها وخارج تاريخها لا تستطيع أن تحاورها حوارا يحرك فيها الحركة من داخلها، إنها تهاجمها من خارجها مما يجعل رد الفعل الحتمي هو الانغلاق والنكوص. وإذن فطريقة الحداثة عندنا يجب، في نظرنا، أن ينطلق من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها وذلك بهدف تحريك التغيير فيها من الداخل. لذلك كانت الحداثة بهذا الاعتبار تعني أولا وقبل كل شيء حداثة المنهج وحداثة الرؤية، والهدف: تحرير تصورنا لـ"التراث" من البطانة الأيديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه، داخل وعينا، طابع العام والمطلق وتنزع عنه طابع النسبية والتاريخية »[1].

إن قضايا التراث والفكر المعاصر، من أبرز القضايا التي تتطلب معالجتها وعيا أيديولوجيا عميقا ومنهجية علمية سليمة. إن الطرح الأيديولوجي بطبيعتها، ضروري لفهمها والاستفادة منها، ولكن شريطة التزام المنهجية العلمية بكل ما تفرضه من موضوعية وتروٍ في إصدار الأحكام واتخاذ المواقف. ذلك وحده يمكّننا من التعامل معها تعاملاً فاعلاً لا انفعالياً، ذلك وحده ما يجعلنا نحتويه بدل أن تحتوينا.

فثنائية الانبهار بالعقل الغربي ومنجزاته، واحتقار العقل العربي ومنجزاته تقع في قلب الشرخ الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي بدرجات لا تتفاوت كثيرا من جماعة عربية إلى جماعة عربية أخرى، وبدلا من منطقة وسط يأخذ فيها المثقف العربي ما يتناسب مع ثقافته العربية وتراثه الطويل، نجد الغالبية تعيش الثنائية بكل تناقضاتها وفصامها. صحيح أن هناك قلة بين المثقفين العرب لم يفقدهم إنجاز العقل الغربي قدرتهم على الاحتفاظ بتوازن صحي بين طرفي الثنائية من منطلق إدراكهم أن إنجازات العقل العربي خيرا كلها. هناك من أدركوا الاختلافات بين الثقافتين العربية والغربية، وهناك من واجهوا التحديات القومية ضد الارتماء الكامل في أحضان الثقافة الغربية، لكن تحذيراتهم، على ما يبدو، ذهبت أدراج الرياح، ووصل الانبهار بالعقل الغربي إلى ذروته، في ربع القرن الأخير من القرن العشرين مع النخبة الحداثية وما بعد الحداثية العربية. الانبهار بمنجزات العقل الغربي، في حد ذاته، ليس خطيئة لا تغتفر، لكنه يصبح كذلك حينما يُقرن بالتنكر للتراث الثقافي العربي أو المناداة، كما تفعل النخبة بضرورة حدوث « قطيعة معرفية » كاملة معه كشرط لتحقيق التحديث والحداثة. من هنا يحدد شكري عياد في دقة كاملة، طرفي الثنائية في نهاية القرن العشرين حين يقول:

« لا شيء أصعب من أن ننظر إلى الحقائق كلها في وقت واحد، فكم يكون الاختيار سهلا لو تعامينا عن بعضها. وأصحاب الحداثة - كبارهم وصغارهم - يتجاهلون نقائص الحضارة الغربية مع علمهم بهذه النقائص، كأن إيمانهم بتفوق العقل الغربي ونجاح المجتمع الغربي بلغ حد الإيمان بقدراتهم على التغلب على جميع المشكلات، أو كان التفكير في نقائص الحضارة الغربية يجب أن يؤجل إلى أن نصبح جزءا من هذه الحضارة بالفعل »[2].

لكن كلمات شكري عياد هنا والتي تنتمي إلى العقد الأخير من القرن العشرين، تشير إلى الحداثة والحداثيين العرب، مما قد يوحي بأن الحداثيين هم الذين بدأوا موجة الانبهار بإنجازات العقل الغربي والثقافة العربية. لكن هذا ما لم يقصده عياد ولا يهدف إليه كاتب هذا المقال إلى إثباته. الحداثة العربية - كما سبق أن أشرنا - كانت نتيجة لهذا الانبهار ولم تكن سببا. كانت ذروة وإن كان ذلك لا يعني تبرئة الحداثيين العرب سواء من الانبهار بإنجازات العقل الغربي - وهذا من حقهم - أو احتقار العقل العربي - وهذا ليس من حق أحد.

يقول محمد عابد الجابري مرة أخرى:

« من هنا خصوصية الحداثة عندنا، أعني دورها الخاص في الثقافة العربية المعاصرة، الدور الذي يجعل منها بحق "حداثة عربية". والواقع أنه ليست هناك حداثة مطلقة، كلية وعالمية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر ومن مكان لآخر. وبعبارة أخرى الحداثة ظاهرة تاريخية، وهي ككل الظواهر التاريخية مشروطة بظروفها، محدودة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور، فهي تختلف إذن من مكان لآخر. من تجربة تاريخية لأخرى، الحداثة في أوربا غيرها في الصين، غيرها في اليابان…في أوربا يتحدثون اليوم عن "ما بعد الحداثة " باعتبار أن الحداثة ظاهرة انتهت مع نهاية القرن التاسع عشر بوصفها مرحلة تاريخية قامت في أعقاب "عصر الأنوار" (القرن الثامن عشر ) هذا العصر الذي جاء هو نفسه في أعقاب "عصر النهضة" ( القرن السادس عشر).

أما في العالم العربي فالوضع يختلف: إن" النهضة " و"الأنوار" و"الحداثة" لا تشكل عندنا مراحل متعاقبة يتجاوز اللاَّحق منها السَّابق، بل هي عندنا متداخلة متشابكة متزامنة ضمن المرحلة المعاصرة التي تمتد بداياتها إلى ما يزيد على مائة عام، وبالتالي فنحن عندما نتحدث عن"الحداثة" فيجب أن لا نفهم منها ما يفهمه أدباء ومفكروا أوربا، أعني أنها مرحلة تجاوزت مرحلة " الأنوار " ومـرحلـة " النهضة" التي تقوم أساسا على"الإحياء"، إحياء "التراث" والانتظام فيه نوعا من الانتظام. إن الحداثة عندنا، كما تتحدث في إطار وضعيتنا الراهنة، هي النهضة والأنوار وتجاوزهما معاً، والعمود الفقري الذي يجب أن تنتظم فيه جميع مظاهرها هو العقلانية والديمقراطية. والعقلانية والديمقراطية ليستا بضاعة تُستَورد بل هما ممارسة حسب قواعد. ونحن نعتقد أنه ما لم تمارس العقلانية في تراثنا وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة " العالمية " كفاعلين وليس مجرد منفعلين »[3].

أما عن الانبهار فلم يكن العقل العربي في يوم من أيام اتصاله بالثقافة والحضارة الغربيتين أكثر انبهارا بهما مما هو اليوم، ومنذ بداية الثمانينيات على وجه التحديد، وهو انبهار أعمى الحداثيين العرب عن إدراك الاختلافات، من ناحية، ودفعهم بسبب إيمانهم بضرورة تحقيق قطيعة معرفية مع الماضي كشرط لتحقيق الحداثة، إلى احتقار التراث من ناحية ثانية، ثم الوصول بالتبعية الثقافية للغرب إلى أبعد نقطة فيه من ناحية ثالثة. والنتيجة أن أصبح العقل العربي منفعلا وليس فاعلا.

وما دام العقل العربي نفسه أصبح مستباحا إلى هذا الحد، فلماذا لا تستباح أدواته وفي مقدمتها لغة التعبير؟ وهكذا ينتقل تحقير العقل العربي إلى تحقير اللغة العربية واتهامها بالقصور، إذ يتهمها بعض العرب وغير العرب بالقفز اللغوي، لأن « نظامها اللغوي »، حسب زعمهم « يخلو من الفئات التركيبيةGrammatical Catégories  الموجودة في اللغات الأخرى، ولاسيما الأوروبية منها، ويتبع هذا الاتهام بطبيعة الحال - وهو ما يرمون إليهاتهام فكري ومعرفي»[4]، وهكذا تكتمل دائرة الإدانة الجهنمية للعقل العربي وأدواته، فسواء كانت من المؤمنين بأن اللغة تسبق الفكر وأنه لا وجود للفكر قبل اللغة، أو أن اللغة أداة للتعبير عن الفكر، بمعنى أن الفكر سابق لوجود اللغة، فالعقل العربي في فكره ولغته عقل متخلف وقاصر.

ويزداد الشرخ اتساعا عند المثقف العربي المهموم بواقعه الفكري واللغوي، وهو يشاهد من حوله مثقفين ومفكرين يشعرون بدونية العقل العربي، فيرتمون في أحضان فكر الآخر، وينقلون عنه لغة ركيكة تؤكد تلك الدونية وتنشئها في آن. يحضرني هنا نص لشوقي ضيف يقول فيه:

« وحقا أن هذه التجارب التي نشير إليها تُكتب بلغتنا العربية، ولكن لا نقرأ فيها حتى نشعر أن الأعمدة التي تشد بناء لغتنا قد سقطت وهوت من أيدي أصحابها، فهو يكتبون بحروف وألفاظ يظنونها عربية أو هي كذلك، ولكن لا نقرأ فيها حتى نحس بالعجمة والشذوذ على ما ألفناه في أساليبنا وفي عربيتنا. وأكاد أقول إنهم يكتبون بلغة لا عربية، ولا غربية، أما إنها غير غربية فذلك شيء واضح لأنها لا تكتب بلغة الغرب، وأما إنها غير عربية فلأنها لا تكتب باللغة العربية المألوفة لنا»[5].

أين أخطأنا؟ جميع المؤشرات تشير في اتجاه الخلط المبكر بين التحديث التكنولوجي المادي والتحديث الثقافي، حينما وصل انبهارنا بالعقل الغربي - مع التقليل من شأن العقل العربي بدرجات متفاوتة بين الاحتقار والتجاهل - إلى تبني كل ما هو غربي بصرف النظر عن اختلافه، بل تفاهته بالنسبة للغربيين أنفسهم. « والنخبة عندنا »، كما يذكر شكري عياد، حتى في مجال الثقافة - تقنع عادة بـ« آخر » ما أنتجته المصانع الأوروبية أو الأمريكية، وقد تضع في أعز مكان من الصالون، ما يلقيه الغربيون على جانب الطريق[6].

لقد انتهى القرن العشرون وقد تربع الفكر الحداثي، بل ما بعد الحداثي، في أعز مكان في «صالون» الثقافة العربية بعد أن طرد بعضنا، ربما بحسن نية لا تغتفر، التراث العربي عبر النوافذ والأبواب، وأكدوا - وهنا تكمن ضخامة الجرم الثقافي الذي لا يغتفر من كل حسن النوايا - التبعية الثقافية لثقافة « الآخر » المختلفة، وحققوا المفارقة المؤلمة: ففي الوقت الذي ارتبطت الحداثة عامة بالرغبة في التحرر من قيود الماضي المكبلة لحرية الإبداع، انتهت الحداثة العربية، إلى إدارة ظهرها بالكلية للتراث الثقافي العربي، لتقع أسيرة لقيود جديدة، أكثر قهرا وأكثر إيلاما، وهي قيود التبعية للثقافة الغربية.

وإن أبرز صفات الحداثة الغربية وهي التسليم الكامل بسلطة العقل، إلى درجة يؤكد معها الجميع أن الحداثة في أحد معانيها الجوهرية صنو العقلنة أو العقلانية أو مرادف لها. وقد وصل إيمان الحداثة بالعقل ومنتجاته في الحضارة الغربية إلى درجة دفعت المرتدين على الحداثة نفسها، في مرحلة ما بعد الحداثة، إلى التمرد على التسليم بسلطة العقل الكاملة وسطوة العقلانية، لأنها من ناحية، انتهت إلى قهر الذات بدلا من تحريرها، ولأنها من ناحية ثانية، في إيمانها المطلق بأن العقل والعقلانية الإمبريقية ارتبطت بشرط القطيعة مع جميع ألوان الفكر الغيبي؛ أي أن الطريق المسدود الذي أوصلتنا إليه ما بعد الحداثة كان قد بدأ حقيقة مع الحداثة الغربية منذ بدايتها. وهذا ما يؤكده آلان تورين مبكرا في دراسته القيمة في [نقد الحداثة] عندما يحاول تقديم تعريف مبسط للحداثة الغربية، فيقول:

« كيف يمكننا الكلام عن المجتمع الحديث إلا إذا كان هناك مبدأ عام معترف به لتعريف الحداثة؟ من المستحيل أن نطلق كلمة «حديث» على مجتمع يسعى قبل كل شيء لأن ينتظم ويعمل طبقا لوحي إلهي أو جوهر قومي. وليست الحداثة أيضا مجرد تغيير أو تتابع أحداث: [ أي أنها لا ترتبط بالجدة بالضرورة] إنها انتشار لمنتجات النشاط العقلي، العلمية، التكنولوجية، الإداريةفالحداثة تستبعد أي غائية. إن العلمنة وإزاحة سحر الأوهام، التي يتحدث عنهما فيبرWeber  واللتين تحددان الحداثة باعتبارها عقلنة، تبرزان القطيعة الضرورية مع الغائية الدينية التي تنادي دوما بنهاية التاريخ، سواء عن طريق تحقق تام لمشروع إلهي أو اختفاء لإنسانية منحرفة لم تخلص لرسالتها »[7].

إن أخطر ما في هذه الصفة المبدئية والأساسية للحداثة، وهي جانب الاختلاف الأول الذي يجب أن ندركه لنبحث عن توازن أكثر خصوصية بثقافتنا بين « تحديث » الحداثة الغربية والقيم الدينية والروحية العربية، هي أنها « أحلت فكرة العلم » كما يقول تورين، «محل فكرة الله في قلب المجتمع »، وقصرت الاعتقادات الدينية على الحياة الخاصة بكل فرد. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنه لا يكفي أن تكون هناك تطبيقات تكنولوجية للعلم لكي نتكلم عن مجتمع حديث.

إن القول بأن التطبيقات التكنولوجية للعلم لا تكفي لكي نتحدث عن مجتمع حديث، ينقلنا إلى محطة أخرى للاختلاف، وهي التغيرات التي طرأت على علاقات القوى الاجتماعية في المجتمعات الغربية منذ بداية الثورة الصناعية، بالإضافة إلى التحولات الفلسفية العديدة التي مر بها الفكر الأوروبي منذ بداية القرن السابع عشر، وكيف أدت في النهاية، وبصورة حتمية، إلى إنتاج الحداثة الغربية.

إن الحداثة الغربية كانت نتيجة منطقية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي مرت بها المجتمعات الغربية. أما نحن، فقد تبنينا النتائج النهائية للحداثة الغربية دون أن نعيش مقدماتها. النتائج الوحيدة التي كانت أمامنا هي التي تعتمد على مقدمات التراث العربي. كان من الممكن أن نُدخِل عليه كل ما شئنا من عمليات التحديث، من تطعيم ذكي بالتراث الغربي، واختيار حصيف لأفضل ما فيه، وكان من الممكن أن نمارس مع تراثنا جميع عمليات الاختيار والحذف Selection and Elimination، بدلا من تبني نتائج تعتمد على مقدمات - واقع حضاري وثقافي - ليست مقدماتنا. وهذا على وجه التحديد، ما أقلق سيد البحراوي في [ البحث عن المنهج ] حينما حاول أن يضع يده على أزمة الثقافة العربية، وهي أزمة تتمثل، من وجهة نظره، في أن لهفتنا للحاق بركب الحضارة الغربية، دفعتنا إلى تبني حلول الآخرين الجاهزة، الحلول الغربية دون أن نتوقف في كثير أو قليل عند الاختلاف لنسأل أنفسنا إذا كان واقعهم وأزمتهم، هو واقعنا وهي أزمتنا[8].

هذا التناقض الصارخ بين المقدمات والنتائج كان أبرز ما سجله شكري عياد، من زاوية مختلفة، حول مقولة مبكرة لإلياس خوري في مقاله « الذاكرة المفقودة » والذي نشر لأول مرة عام 1979 في مجلة مواقف. يقول فيها: « لم تطرح الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة إلا ضمن إشكالية خاصة بها. فهي لم تكن صورة عن الحداثة الغربية، بل كانت محاولة عربية لصياغة الحداثة داخل مبنى ثقافي له خصوصياته التاريخية، ويعيش مشكلات نهضتهالحداثة العربية هي محاولة بحث عن شرعية المستقبل، بعد أن فقد الماضي شرعيته التاريخية في عالم توحده الرأسمالية الغربية بالقوة ». ولا يتردد شكري عياد في إبراز التناقض الواضح بين مقدمة خوري ونتيجته. إن خوري يقرر « أن للحداثة العربية خصوصيتها المرتبطة بتاريخ النهضة العربية. هذه هي المقدمة. فكيف أدت إلى النتيجة القائلة بأن هدف الحداثة العربية وشرعية وجودها يقومان على ضرورة التخلص من كل معوقات الماضي من أجل الانطلاق إلى المستقبل ». إن تناقضات خوري هنا وتناقضات من يحاولون تأصيل الحداثة الغربية داخل البيت الثقافي العربي تتمثل في إدراكهم، في حقيقة الأمر للاختلاف ومحاولة التحايل عليه وعلى القارئ. ولأن نتائجهم تقوم على مقدمات غير عربية فإنهم يحاولون تحقيق تزاوج زائف بين مقدمات ثقافة ونتائج ثقافة أخرى. وهذا عكس ما نقوم به في مشروعنا الثقافي والحضاري في قضايا فكرية معاصرة، إذ نهدف إلى تأصيل الحداثة العربية ذات المقدمات العربية ونتائجها الخاصة بها، كما نرمي إلى عصرنة التراث الذي هو منا وإلينا ولا يمكننا أن نستغني عنه أو نستبدله بحداثة وثقافة لا ننتمي إليها. وهذا حتى لا نقع في انفصام ثقافي وحضاري وهوية ممزوجة لا هي شرقية ولا غربية.

إلا أنني أشير هنا.. أنه إذا كانت الحداثة، على حد قول تورين، « تربط التقدم بالثقافة وتعارض الثقافات أو المجتمعات التقليدية بالثقافات أو المجتمعات الحديثة وتفسر كل حدث اجتماعي أو ثقافي بمكانه على محور التراث - الحداثة، فإن ما بعد الحداثة تفصل ما ارتبط»[9]. واللافت للنظر أن تأكيد خطورة التغاضي عن الاختلاف يقوم به مفكرون غربيون، مثل تورين، بنمط أكثر تكرارا من التحذيرات العربية. بعض هؤلاء المفكرين الذين ينقضون الحداثة وما بعد الحداثة من داخلها، من داخل البيت الغربي ذاته، يؤكدون الاختلاف، ويحذرون من أخطار التبعية، ولا يترددون أحيانا في فضح تناقضات الحالة الحداثية وما بعد الحداثية الغربية.

إن التناقضات الكامنة في مجتمع ما بعد الحداثة الغربي، تكفي في حد ذاتها لإنهاء حالة الانبهار بالعقل الغربي ومنجزاته، وتؤكد في الوقت نفسه، أن مجتمع ما بعد الحداثة ليس هو الجنة الموعودة التي يحاول مثقفو العالم الثالث نقلها أو محاكاتها. وحينما تندفع دول العالم الثالث في اتجاه ما بعد الحداثة الغربية دون أن تتوافر لها الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزت ما بعد الحداثة الأوروبية - الأمريكية. أو حينما تتبنى نتائج تقوم على مقدمات ليست مقدماتها، فإن النتيجة حالة فصام مَرضية.

لكن من أبرز جوانب الاختلاف التي لم ندركها، وربما تكون السبب الأساسي لمراوغة ما بعد الحداثيين العرب وتهربهم من الاعتراف بتحولهم من الحداثة إلى ما بعدها، هو حالة الشك وفقدان اليقين، بعد أن سقطت الآلهة الجديدة: المادة، والعلم، والعقل، وفشلت في تفسير الكون أو تحقيق السعادة للإنسان. لقد وصل الإنسان في شكه في العقل وسيادته ورفضه ليقينية العلم التجريبي لا إلى الشك في الأمور الميتافيزيقية فقط، بل إلى الشك حتى في الحقائق العلمية القائمة على التجريب والقابلة للاختبار. ولهذا لم يكن غريبا أن يخلص آلان تورين، في نهاية نقده للحداثة الغربية، إلى أن العالم الغربي اليوم، الذي ينبهر بعضنا بإنجازاته الحداثية وما بعد الحداثية إلى درجة العمى عن إدراك الاختلاف، هذا العالم قد بدأ مرحلة الحنين إلى الماضي، ماضي التقاليد والنظام والتوازن الصريح بين منجزات العقل وتحقيق الذات والقيم الدينية، بعد أن اقترب العالم الغربي نفسه من حالة الهمجية والفوضى. ويزداد الحنين حدة في الثقافات التي فرضت عليها الحداثة وما بعد الحداثة من الخارج عن طريق قوة استعمار قاهرة. يقول تورين:

« لم يعد لدينا ثقة في العالم. لم نعد نؤمن بأن الثراء يقود إلى تحقيق الديمقراطية والسعادة. لقد ذهبت الصورة التحررية للعقل وأعقبها الخوف من العقلنة التي تؤدي إلى تركيز سلطة القرار في القمة. ويزداد خوفنامن عدم المساواة على المستوى العالمي وأن تفرض على الجميع سباقا مهلكا تجاه التغيير. يظهر خلف هذه المخاوف شك عميق: أن تكون الإنسانية بإزاء فض تحالفها مع الطبيعة وتتحول إلى همجيةيتحسر البعض على مجتمع التقاليد بشفراته ومراتبيته وطقوسهلاسيما في البلاد التي جاءها التحديث من الخارج على يد المستعمرين أو المستبدين. ويستدير البعض تجاه الرؤية العقلانية للعالم، علمانية كانت أو دينية، والتي تدعو البشر إلى ترقية العقل الذي يخضع لنفس القوانين التي يخضع لها الكون»[10].

فإذا كان أصحاب الحداثة الغربية أنفسهم يشعرون بالحنين  Nostalgia  إلى الماضي بمراتبيته وطقوسه، فكيف بنا، بكامل إرادتنا، ندخل السباق المهلك للتغيير القائم بالدرجة الأولى على تحقيق قطيعة معرفية مع الماضي.

فهل الماضي إذن هو التراث؟ وهل لنا أن ندير ظهورنا إلى التراث أو الماضي، ثم ندعو التطلع إلى الحاضر والمستقبل؟ يقول محمد عابد الجابري في تعريفه للتراث: « التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أم ماضي غيرنا، سواء القريب منه أم البعيد» هذا التعريف عام كما تلاحظون، فهو يشمل التراث المعنوي، من فكر وسلوك، والتراث المادي، كالآثار وغيرها، ويشمل التراث القومي ( ما هو حاضر فينا من ماضينا ) والتراث الإنساني ( ما هو حاضر فينا من ماضي غيرنا )، كما يربط تراث الماضي بالحاضر مباشرة: فليس التراث هو ما ينتمي إلى الماضي البعيد وحسب، بل هو أيضا ما ينتمي إلى الماضي القريب. و« الماضي القريب » متصل بالحاضر، والحاضر مجاله ضيق، فهو نقطة اتصال الماضي بالمستقبل. وإذن فما فينا أو معنا من حاضرنا، من جهة اتصاله بالماضي، هو تراث أيضا[11]. وهكذا فإذا كان « الإرث » أو « الميراث » هو عنوان اختفاء الأب وحلول الابن محله، فإن « التراث » قد أصبح بالنسبة للوعي العربي المعاصر، عنوانا على حضور الأب في الابن، حضور السلف في الخلف، حضور الماضي في الحاضرذلك هو المضمون، الحي في النفوس، الحاضر في الوعي، الذي يعطي للثقافة العربية الإسلامية وعنصرا أساسيا ورئيسيا من عناصر وحدتها. ومن هنا ينظر إلى « التراث » لا على أنه بقايا ثقافة الماضي، بل على أنه «تَمامُ» هذه الثقافة وكليتها: إنه العقيدة والشريعة، واللغة والأدب، والعقل والذهنية، والحنين والتطلعات، وبعبارة أخرى إنه في آن واحد: المعرفي والأيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية في الثقافة العربية الإسلامية[12].

إننا نواجه تحدياً حضارياً يفرض علينا تصنيف الأشياء إلى صنفين: ما يساعد على التقدم ويدفع عجلة التطور إلى الأمام، وما يفعل العكس أو من شأنه أن يفعل ذلك. وعناصر التقدم، والعناصر المعاكسة له، موجودة في كل أصناف تراثنا، في الفكر الأشعري والفكر المعتزلي والفكر الشيعي والفكر الفلسفي وجميع المذاهب الفقهية ما كتب لها الانتشار وما بقي محصوراً في نطاق محدود. ولذلك فلا معنى للتشبث في الوقت الحاضر باتجاه من هذه الاتجاهات أو مذهب من هذه المذاهب، وكأنه وحده الممثل « الحقيقي » للتراث. ولا معنى كذلك لتصنيف الإسلام إلى صنفين: « إسلام السنة » و «إسلام الشيعة»، كما يفعل بعض المستشرقين. فالإسلام واحد، عقيدةً وشريعةً وتاريخاً، والتعدد في المذاهب والاتجاهات والدول والإمارات، سيفقد معناه إذا نظر إليه خارج الوحدة، وحدة الإسلام، وحدة التراث، ككل. إن التعدد نشأة داخل الوحدة، لا خارجها، وكانت إشكاليته هي تحقيق وحدة أمتن وأفضل لا تفتيت الوحدة.

وعندما يتعلق الأمر بتراث كالتراث العربي الإسلامي، لابد من مراعاة كاملة لخصوصيته. وأحد عناصر هذه الخصوصية هو: العالمية والشمولية. إن التراث العربي الإسلامي عالمي بمعنى أنه تراث حضارة عالمية، حضارة الإنسانية في فترة من فترات تاريخها. إن الثقافة العربية الإسلامية كانت تمثل خلال أوج ازدهارها ثقافة عصر على مستوى عالمي. فلم تكن محدودة ولا منغلقة كثقافة الهند أو الصين أو الفرس، بل بالعكس، كانت ثقافة متفتحة قابلة لاستيعاب كل أنواع الثقافات التي احتكت بها، ومن هنا عالميتها.

والتراث العربي الإسلامي، فضلا عن طابعه العالمي الإنساني، تراث يتصف بطابع الشمولية. فهو يتناول جميع مناحي الحياة الجماعية والفردية، الاجتماعية والفكرية. إنه تراث حضاري بأوسع معاني كلمة حضارة، ولذلك ما يزال يطبع جوانب أساسية وكثيرة من حياتنا كأفراد أو جماعات.

وإذن، فالطابع العالمي لتراثنا العربي الإسلامي والطابع العالمي للفكر الأوروبي المعاصر، يجعلان طرح الأصالة في مقابل المعاصرة، والتي نهدفها في تحليلنا وتوضيحنا لمشروعنا التنويري من أجل تأصيل الحداثة وعصرنة التراث، هذه المقابلة هي بمثابة وضع الفكر الإنساني في مقابل نفسه، تحت تأطيرات واهية قومية أو دينية أو حضارية مزعومة. ولعل الذين يضعون الأصالة في مقابل المعاصرة، يفهمون من الكلمتين شيئا آخر غير معناهما الحقيقي.

إن الأصالة - مثلها مثل المعاصرة - لا تدل على شيء، فهي ليست ذاتا، ولا واقعا، -على حد قول الجابري - إنها صفة أو سمة لكل عمل يدوي أو فكري يبرز فيه جانب الإبداع بشكل من الأشكال. فالإنتاج الأصيل قد يكون قديما وقد يكون معاصرا. والأصالة فوق ذلك لا تعدم أصولا. فليست خلقاً من لا شيء، بل هي في الغالب صياغة جديدة معبِّرة، لجملة من العناصر أو الأصول المعروفة، إنها عملية دمج تعطي كائنا أو بنية جديدين. وعملية الدمج، هذه الغنية المعقدة، التي تطبعها الذات الدامجة بطابعها، هي ما يميز الإنتاج الأصيل من « الإنتاج » الدخيل. والأصيل بعد ذلك لا يكون أصيلا إلا إذا كان ذا دلالة في الحاضر. والجوانب الأصيلة في أية ثقافة، هي تلك التي نستطيع أن نتبين فيها، ليس فقط التعبير القوي المبدع عن بعض معطيات الماضي، بل أيضا التي تستطيع أن توحي لنا بنوع من التعبير جديد عن معطيات الحاضر. الثقافة الأصيلة هي التي يجد فيها الحاضر مكانا فيما تحكيه عن الماضي، دون أن تحجب آفاق المستقبل. إنها تساعد على تأسيس الحاضر في اتجاه المستقبل، لا في اتجاه الماضي.

وبالمثل، فالفكر العالمي المعاصر ليس كله « معاصرا » بالنسبة لنا. فالمعاصرة بالنسبة لنا يجب أن تتحدد، لا بالزمان، بل بالتعاطف والتواصل. هو معاصر لنا ما يمكن أن يساعدنا على حل مشاكلنا أو على اكتساب رؤية واعية صحيحة للقضايا التي تواجهنا إقليميا وعربيا ودوليا. إن العالم اليوم منقسم إلى معسكرين: معسكر القوى الاشتراكية والقوى الوطنية التحريرية والقوى الديمقراطية ( سواء داخل الغرب أو خارجه )، ومعسكر القوى الرأسمالية والإمبريالية والذيول التابعة لها أو السائرة في ركابها ( في الشرق أو في الغرب ). والفكر العالمي المعاصر يعكس الصراع بين هذه القوى في نفس الوقت الذي يستعمل فيه كسلاح في هذا الصراع نفسه. فإذا حددنا موقعنا من هذا الصراع سهل علينا أن نتبين أي الجوانب هي أكثر « معاصرة »، لنا في الأيديولوجيات وأنماط التفكير السائدة.

وهكذا، فموقفنا من التراث ومن الفكر العالمي المعاصر يجب أن يكون موقفا واحدا يحدده ويوجهه الموقع الذي نحتله في حلبة الصراع كشعوب تناضل من أجل تركيز شخصيتها، وبناء حاضرها ومستقبلها في اتجاه التطور التاريخي العام، اتجاه التحرير والديمقراطية والاشتراكية[13].

وإذن، فعندما نتحدث عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل، يجب أن نصدر في ذلك عن رؤية واضحة واعية: إن الماضي والمستقبل، هما كالحاضر، ليسا واقعين جامدين، ولا شَبَحين ملفوفين في كتلة من الضباب، بل هما صيرورة وحركة. إن الأمر يتعلق بتاريخ هو أساسا تاريخ صراع يعكس ويخدم مصالح ومطامح فئات وطبقات مختلفة، سواء على المستوى القومي أو المستوى العالمي. وهذا يعني أن الرؤية الصحيحة لقضية الأصالة والمعاصرة، هي تلك التي تأخذ بحسبانها تاريخية الثقافة والفكر. إن الفكر العربي الإسلامي - وقد كان عالميا في عصره ولازال يحتفظ ببعض عناصر عالميته - والفكر الأوروبي المعاصر - وهو عالمي في عصرنا - ينتظمهما قاسم مشترك ذو محورين متوازيين: محور العالمية، ومحور المصالح القومية والطبقية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. ونحن الذي نعيش مرحلة دقيقة من تاريخنا، مرحلة التحول المصحوب باهتزاز، لن نستطيع تثبيت كياننا وبناء مستقبلنا إلا إذا عالجنا العلاقة بين تراثنا وثقافة العصر معالجة فاعلة، لا انفعالية، أساسها نظرة جدلية واعية، ومن هنا ضرورة إعادة « قراءة » التراث والفكر العربي المعاصر برؤية جديدة، رؤية شمولية، جدلية، تاريخية، لا تقتل الخاص في العام، ولا تتقوقع في الخاص على حساب العام. 

&

مما لا شك فيه أن مشروع التنوير في العالم العربي له شرعيته، وهي شرعية سيظل محتفظا بها لبعض أجيال قادمة. وليس الأمر مقصورا على منطقتنا، إذ إن شرعية التنوير قائمة وضرورية في أي منطقة من العالم تحارب شعوبها معركة، تختلف في حدتها وضراوتها من منطقة إلى أخرى، ضد الخرافة والتفكير الخرافي من أجل العلم وسيادة العقل. والقول بغير ذلك حكم أكيد بالموت في عالم يأكل فيه القوي الضعيف. ثم إن البحث عن الهوية الثقافية لا يعني العزلة وإغلاق النوافذ والأبواب - حتى لو افترضنا أن هذا اختيار ممكن - ورأبَ الصدع والخروج من مأزق ثقافة الشرخ لا يعنيان أن ندفن رؤوسنا في الرمال متظاهرين بأن العالم من حولنا، العالم الذي يموج بالتحولات والتغيرات، لا وجود له. فهو موجود بكل تحولاته وتغيراته، من ناحية، ويقول النظام العالمي الجديد والعولمة بفرض هذه التحولات والتغيرات علينا شئنا أم أبينا، من ناحية ثانية. وإذا لم نتعامل مع حقائق الواقع الجديد فسوف يتحول الشرخ إلى قنبلة تفجرنا من الداخل.

لكننا ونحن نؤكد شرعية مشروع التنوير الثقافي والحضاري، نلفت النظر، في الوقت نفسه، إلى الدعوة القوية التي ارتفعت في قلب الحضارة الغربية ذاتها إلى تصفية المشروع التنويري بعد أن أوصلت سيادة العقل والعلم هذه الحضارة إلى طريق مسدود أبرز علاماته كبت الذات، التي قام المشروع التنويري لتحريرها أصلا، بالإضافة إلى سيادة القيم المادية، قيم السوق ورأس المال، والتَّفتت والتشرذم والتراجع المؤسي للقيم الروحية. من أبرز ملامح الدعوات لتصفية المشروع التنويري الغربي، تلك الدعوة القوية التي ظهرت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين للعودة إلى القيم الروحية التقليدية، أو لضرورة تطوير حداثة لا تفصل بالضرورة بين سيادة العقل والفكر العلمي وبين الدين، وبتعبيرنا "تأصيل الحداثة". وهذا اختيار مازال، لحسن الحظ، قائما بالنسبة لنا، مشروع التنوير الغربي استغرق أكثر من ثلاثة قرون في تاريخ الفكر الغربي قبل أن يدرك العقل الغربي صلابة الحائط الذي يواجه الحضارة الغربية في نهاية الطريق. أما نحن فمازالت أمامنا حرية الاختيار والانتقاء، على الأقل: اختيار ألا نلفي بأنفسنا في أحضان الحداثة الغربية في انبهار كامل وعمى شامل عن مأزق تلك الحداثة نفسها.

الواقع أن الاختيارات أمامنا كثيرة، بل إن البعض قد اتخذ قراره بالفعل بشأنها تحت ضغوط الرغبة المحمومة في « التحديث »، وكلما زادت انكسارات العقل العربي وهزائمه، اندفعنا في طريق تحديث ذلك العقل في حماس ينسينا أي حسابات متأنية. ومما لا شك فيه أن التحديث قدرنا، وهو قدر يحتِّمه الظرف التاريخي للحضارة العربية. لكن كون التحديث قدرا شيء، وتحول ذلك التحديث إلى حداثة غربية شيء آخر. ويهمنا هنا أن نؤكد أننا لا نتخذ موقفا ضديا من « التحديث » أو « الحداثة » في حد ذاتهما، لكننا بالقطع نرفض الارتماء في أحضان الحداثة الغربية في تجاهل شبه كامل لورطتها ومأزقها من ناحية، ولخصوصية الثقافة العربية، من ناحية أخرى. ورطة الحداثة الغربية تتمثل في أنها بعد سنوات طويلة من سيادة العلم الذي تحكمه قوانين المادة والتجريب الإمبريقي، وصلت إلى مرحلة أدرك معها العقل الغربي، أن العلم ، بهذا المعنى المحدد، فشل في تفسير كل ظواهر الوجود، كما أسلفنا، بل فشل في تحقيق السعادة للإنسان وتحول إلى الشك الكامل والشامل في كل شيء، ولم تعد هناك سلطة تعلو على سلطة الذات الفردية.

أول الاختيارات المطروحة أمامنا أن نبدأ حيث انتهى العقل الغربي من رفض للعلم بذلك المعنى الضيق. أرجو ألا يتسرع أحد ليتهمنا بالتخريف أو الارتداد عن قيم العلم والعقل. العلم الذي نرفضه، والذي وصل العقل الغربي نفسه إلى رفضه أخيرا في مواجهة الهوة التي لا قرار لها، أو الحائط الصلد في نهاية الطريق، هو العلم الذي لا يخضع إلا لقوانين المادة، العلم الذي يفسر كل الظواهر على أساس مادي تجريبي، فيقبل ما يثبت التجريب الإمبريقي وجوده وصحته، ويرفض ما يثبت التجريب الإمبريقي عدم وجوده أو صحته، أو حتى ما لا يقبل القياس أو الحكم التجريبي.

كما أرجو ألا يفسر أحد الحديث عن العلم، باعتباره دعوة للردة إلى عصور الجهالة والظلام، فقد حقق العقل البشري باستخدامه لمناهج التفكير العلمي ثم بتسخير نتائجه في تطبيقات تكنولوجية، الكثير للبشرية. وحاجتنا نحن إلى العلم، في عالم لا مكان فيه للضعفاء، أكبر من أن تحد، خاصة أن تحديث العقل العربي وواقعه ضرورة ملحة. إن ما نحذر منه على وجه التحديد هو ذلك الخلط الواضح بين « التحديث » و « الحداثة » في صورتهما الغربية. ما نتحدث عنه هو ضرورة وضع ضوابط للتحديث والتدقيق في الأخذ عن الثقافة الغربية، بل « ضبط عملية الانبهار بالغرب »، كما يقول شكري عزيز الماضي في [من إشكاليات النقد العربي الجديد]، بعد أن وصل الانبهار بالفكر الغربي إلى درجة تهدد بخطر مزدوج: هو انمحاء الهوية الثقافية العربية من ناحية، وتأكيد التبعية للثقافة الغربية وترسيخها، من ناحية ثانية، فهو يقول:

« وكل هذا يؤكد الأزمة واستفحالها في الربع الأخير من القرن العشرين. وأحسب أن هذه المخاطر نتاج لأسباب عديدة ( نقدية، ثقافية، مجتمعية ). كما أحسب أنها تفرض ضرورة تجسيد خصوصية الصوت الأدبي والنقدي العربي، وضبط عملية الانبهار بالغرب: لأن هذه العملية تؤدي إلى مفهوم مسطح للعالمية وتبدد طاقات إبداعية كبيرة. مع التأكيد بأن تجسيد خصوصية الصوت العربي والنقدي أمر لا يتعارض ولا يتنافى مع الانتماء للحركة النقدية، بل تؤدي، أو يجب أن تؤدي، إلى إنمائها. وفي المقابل فإن تغييب الخصوصية يعني الاندماج بالآخر وهو أمر يتقاطع، ويلتقي بالتحليل الأخير، مع الانغلاق»[14].

ولا أكون مبالغا، إذا اعترفت هنا، بأن موقف شكري عزيز في السطور السابقة، يلخص موقفنا من « ألفه » إلى « يائه »، إذ أن المشروع في جوهره صرخة من القلب، صرخة استغاثة موجهة للمثقفين ورجال الفكر العرب بقدر ما هو رفض لما يحدث حولنا.

والموقف الذي نتبناه في كل مقالاتنا وبحوثنا يقوم على إدراك كامل لتلك النقطة الدقيقة عند مفترق الطرق، حيث يجب أن نختار ونحدد، مَن نحن؟ وماذا نريد؟ وفي أي اتجاه يجب أن نتحرك؟. مدخلات الموقف التي يجب أن تحدد اختيارنا أو اختياراتنا هي:

أولا: نحن لا نستطيع، حتى لو أردنا، أن ننفصل عن الواقع العالمي الجديد والعولمة القادمة والقائمة، وقد أصبحت العزلة، كما نكرر دائما، ترفا مستحيلا، فنحن جزء من هذا العالم.

ثانيا: إنجازات العقل الغربي خاصة من مسافة الحضارات الأقل تطورا، إنجازات باهرة بكل المقاييس، وهو انبهار كفيل بحجب سلبيات تلك الإنجازات.

ثالثا: إن لواقعنا الثقافي خصوصية لا نستطيع أن نتجاهلها بحجة أننا جزء من العالم بنظامه الجديد، من ناحية، وأن واقعنا الثقافي واقع متخلف، من ناحية ثانية.

رابعا: إن اختيار اتجاه الحداثة الغربية يعني القطيعة مع تراثنا وإدارة ظهورنا له تماما، لأن القطيعة مع الماضي والتمرد عليه جوهر الاختيار الحداثي.

خامسا: إن كوننا جزءا من العالم الجديد، وإدراكنا لحتمية العولمة، وأنها كما تقول الشواهد حتى الآن، هي القدر الداهم، تؤكد حاجتنا إلى تأكيد خصوصيتنا في مواجهة الأخطار القادمة والقائمة، أخطار التبعية وانمحاء الهوية.

تلك هي « مدخلات » الموقف الذي يجب أن نخرج منه باختيار واضح وسليم، وإلا فلنواجه الطوفان.

نعم الأصالة والمعاصرة هي الحل، ولكن عن أي أصالة ومعاصرة نتحدث؟ هل نتحدث عن الشعار الذي فُرِّغ من معناه ولم تعد العلاقة بين شطريه؟

إن الأصالة التي نتحدث عنها، في مواجهة المعاصرة، لا يقصد بها، ولا ينبغي أن يقصد بها، العودة للتراث ودراسته وقتله بحثا، ثم تجميده فوق رف من رفوف الذاكرة الثقافية البعيدة والمنسية. فالتراث هو تراثنا نحن، وهو جزء منا « أخرجناه » عن ذواتنا لا لنلقي به هناك بعيدا عنا، لا لنتفرج فيه تفرج الأنثروبولوجي في منشآته « الحضارية » و« البنيوية » ولا لنتأمله تأمل الفيلسوف لصروحه الفكرية المجردةبل فصلناه عنا من أجل أن نعيده إلينا في صورة جديدة، وبعلاقات جديدة من أجل أن نجعله معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، على صعيد التوظيف الفكري والأيديولوجي ( ولما لا إذا كان هذا التوظيف سيتم بروح نقدية ومن منظور عقلاني ؟ ). وهذا أفضل ما استطاع الجادون المتميزون من نقادنا تحقيقه، إذ إن هؤلاء يعودون إلى التراث ليلقوا الضوء على كنوزه ويضعوا أيديهم على أفضل إنجازاته، لكنهم حينما يتحولون إلى التنظير - وما أقله - أو التطبيق - وما أكثره - يستخدمون المصطلح النقدي الغربي الباهر برغم أنهم يدركون جيدا، وأكثر من غيرهم، أنهم كانوا يستطيعون استخدام مصطلحات عربية أصيلة، أو تطوير مصطلح نقدي عربي، بدلا من نقل المصطلح الأجنبي بعوالقه المعرفية أو قيمه المعرفية الغربية إلى الثقافة العربية. ولا يمكن أن نسمي تلك الممارسات « أصالة » بأي معنى من معانيها. إن ما نتحدث عنه هو الأصالة التي تمكن العقل العربي اليوم من تطوير « هوية واقية »، كما نبه عباس محمود العقاد منذ منتصف القرن العشرين، في مواجهة الأخطار القادمة مع النقل عن الغرب دون تمييز، بعد أن « تبين أن الهوية الواقية كانت ألزم للعالم العربي في هذا الدور ( النصف الثاني من القرن العشرين ) مما كانت في جميع الأدوار الماضية منذ ابتداء النهضة في العصر الحديث. فإن الدعوات العالمية خليقة أن تجور على كيان القومية وأن نؤول بها إلى فناء كفناء المغلوب في الغالب »[15]. وأهمية كلمة العقاد لا ترجع إلى أهمية التحذير في حد ذاته فقط، بل إن صاحبها أيضا أبرز مفكري الجيل المبكر الذي تبنى الدعوة للانفتاح على الثقافة الغربية، ولم تخلُ كلماته في الفترة المبكرة من نغمة احتقار واضحة للثقافة العربية. والمؤسي حقا أن ما تخوف العقاد من حدوثه، حدث بالفعل في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، بعد أن أدت معادلة الانبهار بإنجازات العقل الغربي والاحتقار المقابل لإنجازات العقل العربي إلى فقدان الثقافة العربية لهويتها الواقية.

وقد حدث ذلك في سياق مفارقة غريبة يرفض الكثيرون من الحداثيين العرب أن يعترفوا بها، بل يسارعون إلى اتهام كل من يواجهه بها بالجهل والرجعية والأصولية والانعزالية، الجانب الأول من المفارقة يتمثل في أن التحول عن التراث العربي وإنجازات العقل العربي، إلى الثقافة الغربية وإنجازات العقل الغربي، يعني التسليم صراحة بإفلاس الثقافة العربية وتخلف العقل العربي. أما الطرف الآخر في المفارقة، فيتمثل في فشلهم في تقديم بديل مقنع يملأ الفراغ الذي خلقه تحولهم. فالمدارس النقدية، على وجه التخصيص، التي أفرزها الفكر الحداثي وما بعد الحداثي الغربي، كانت إنجازاتها في بلاد النشأة ذاتها، إنجازات ضئيلة ومتواضعة، لم تتجاوز إعادة تغليف مقولات نقدية قديمة في لفائف جديدة أكثر بريقا ولفتا للأنظار. وليس هذا هو رأينا وحده، لأنه رأي أجمع عليه من قاموا بنقض تلك المشاريع والإستراتيجيات النقدية من داخل البيت الغربي. وفي الوقت نفسه، فقد كانت العزلة والغموض قدر تلك المشاريع والإستراتيجيات في بلاد النشأة منذ البداية. ولم يكن حظ تلك المشاريع والإستراتيجيات المستوردة أفضل في الثقافة العربية منها في الثقافات التي أفرزتها، بل إنها أسوأ حالا وحظا. لقد تحول الغموض الأصلي إلى معميات وطلاسم زاد من إبهامها سوء الفهم، وسوء النقل وسوء الترجمة، بالإضافة إلى نقطة الضعف المبدئية في النقل عن الحداثة الغربية، وهو أن المصطلح النقدي والمفهوم الذي يعبر عنه كان مقدرا له بمجرد نقله بعوالقه المعرفية أن يجيء غريبا إلى الثقافة العربية. وإذا كان من نقضوا المذاهب النقدية داخل الثقافة الغربية ذاتها اتهموا أصحاب تلك المذاهب بأنهم نخبة يكتبون لأنفسهم فقط، فقد كانت الحال أسوأ في الواقع الثقافي العربي. وهكذا أضاف الحداثيون العرب إلى الأزمة الأصلية للحداثة الغربية أزمة خاصة بهم. وإذا كان البعض يلتمس العذر للحداثيين العرب في حماسهم لإنجاز العقل الغربي باعتباره المُخرِج المعقول - آنذاك - للعقل العربي من ورطته بعد هزيمة 67، فإن ما حققه الحداثيون العرب بعد ذلك جاء عكس توقعاتهم جميعا، إذ كان من المفروض أن تكون « الحداثة »، مدخلا « لتحديث » العقل العربي وبداية نهضة ثقافية وتكنولوجية جديدة، وهي نهضة تتطلب التفاف القاعدة العريضة حول قادة الفكر هؤلاء، حتى يتحقق التحديث الشامل. ولكنهم، بسبب سوء النقل والغموض من ناحية، وفشلهم في إدراك خصوصية الثقافة العربية من ناحية ثانية، انتهوا إلى تكريس ثنائية أو ازدواجية الثقافة العربية وتعميق « الشرخ » بدلا من رأب الصدع، بعد أن فشلوا في إغراء الجماهير العربية العريضة بالسير وراءهم. وأصبحوا في نهاية الأمر مجموعة منعزلة يكتبون لأنفسهم فقط.

وما أردنا أن نكون مثل هؤلاء، وما نرضى بالنتيجة التي وصلوا إليها، بل كل ما نريده في كل ما كتبناه، وما نسعى له في كل ما قلناه، هو محاولة جديدة لبناء مشروع جديد، مشرع تنويري ثقافي حضاري، في قضايا فكرية معاصرة من أجل تأصيل الحداثة العربية والرجوع بها إلى المصدر الأصلي الذي لا يعرف تحريفا و لا زيفا، إنه المصدر الرباني، والوحي الإلهي القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة ) ولقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليومَ الآخر وذَكر الله كثيرا([16]، وفي الحديث : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ »[17]، وأيضا عصرنة التراث وإخراجه إلى الواقع ووصله بالأحداث المتعاقبة والمتزامنة لعصرنا الراهن من أجل الأخذ عنه والاستفادة منه، وألا نتركه في الرفوف والمتاحف وفي أماكن لا يرتضيها هو ولا أهله، ونحن أدرى بشؤون دنيانا كما قال الرسولe: « أنتم أعلم بأمر دنياكم»[18].

وخلاصة القول..أن اللحظة الراهنة في تاريخنا العربي الحديث ما زالت لحظة نهضوية، مازلنا نحلم بالنهضةوالنهضة لا تنطلق من فراغ، بل لابد فيها من الانتظام في تراث. والشعوب لا تحقق نهضتها بالانتظام في تراث غيرها، بل بالانتظام في تراثها هي. تراث «الغير»، صانع الحضارة الحديثة، تراث ماضيه وحاضره، ضروري لنا فعلا، ولكن لا كتراث نندمج فيه ونذوب في دروبه ومتعرجاته، بل كمكتسبات إنسانية، علمية ومنهجية، متجددة ومتطورة، لابد لنا منها في عملية الانتظام الواعي العقلاني النقدي في تراثنا. إن من الشروط الضرورية لنهضتنا تحديث فكرنا وتجديد أدوات تفكيرنا وصولا إلى تشييد ثقافة عربية معاصرة وأصيلة معا. وتجديد الفكر لا يمكن أن يتم إلا من داخل الثقافة التي ينتمي إليها، إذا هو أراد الارتباط بهذه الثقافة والعمل على خدمتها. وعندما يتعلق الأمر بفكر شعب أو أمة، فإن عملية التجديد لا يمكن أن تتم إلا بالحَفْرِ داخل ثقافة هذه الأمة، إلا بالتعامل العقلاني النقدي مع ماضيها وحاضرها. يقول محمد عابد الجابري: « إنه بممارسة العقلانية النقدية وبالمعطيات المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة: الشرطين الضرورين لكل نهضة »[19].

وعندما نتحدث عن « المشروع التنويري النهضوي للثقافة والحضارة العربية والإسلامية »، فنحن نتحدث عن مشروع كلي، عام. مشروع يروم تحقيق « النهضة » في كافة المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويقترح سبلا ووسائل لتحقيق أهدافه ومطامحه تكون على هذه الدرجة أو تلك من التنوع والنجاعة. وإذا نحن أردنا إيجاد أبعاد هذا المشروع كما فكر فيه رواده الأوائل في القرن التاسع عشر وكما استمر موضوعا للتفكير خلال هذا القرن، قلنا إنه نزوع، أي طموح وعمل، من أجل « الوحدة والتقدم » بتعبيرنا اليوم، أو « الاتحاد والترقي » بتعبير رواده أمس[20].

أما القراءة الأصيلة للحداثة والعصرية للتراث التي نقترحها ونؤكد عليها في مشروعنا التنويري النهضوي للثقافة والحضارة العربية والإسلامية، تهدف إلى جعل المقروء أصيلا ومعاصرا لنفسه، على صعيد الإشكالية النظرية، والمحتوى المعرفي، والمضمون الأيديولوجي، أي قراءتهما في محيطهما الاجتماعي التاريخي من جهة، وفي نفس الوقت جعلهما أصيلا ومعاصرا لنا من جهة أخرى، على صعيد الفهم والمعقوليةوهذا فيما أعتقد هو المعنى الحقيقي والعميق لـ«الاجتهاد»كما مارسه كبار علماء الإسلام، ولكن مع تلوينات وتنويعات وتفريعات تختلف باختلاف الموضوعات. أما القوالب الجاهزة الجامدة، سواء أكانت قديمة أم حديثة، فهي لا تملك أن تقدم غير شيء واحد هو القراءة التراثية للتراث - على حد قول الجابري - التي تجر حتما إلى القراءة التراثية للعصر: قراءة عصرنا بنفس تراثنا أو بتراث الآخر وثقافة أخرى.

وبعد، فالأصالة والمعاصرة لا تنفصلان: إن من ينشد الأصالة بدون معاصرة كمن ينشد المعاصرة بدون الأصالة: الأول مقلد والثاني تابع، بل كلاهما تابع ومقلد. والشرط الضروري لتجديد العقل العربي وتحديث الفكر العربي وتغيير الوضع العربي هو كسر قيود التقليد وقطع خيوط التبعية. إنه « الاستقلال التاريخي » الذي لا ينال إلا بممارسة النقد البناء المتواصل للذات وللآخر، أيا كان هذا الآخر. والنقد لا يعني الرفض الميكانيكي، بل هو أساساً تفكيك للسلطة التي يمارسها الخطاب على المخاطب. إنه بذلك نتمكن من جعل المقروء أصيلا ومعاصرا لنفسه، وأصيلا ومعاصرا لنا في آن واحد.   

وقد ينتقدنا البعض في مسألة الحداثة والتحديث، ويستشهد بالحديث الذي يقول فيه الرسولe: « كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»[21]. فنجيب عنه ونقول: إن ما يرفضه الإسلام، بنص الحديث المذكور، هي الأمور المحدثة في الدين بقصد التعبد، وإن المقياس عند جمهور الفقهاء هو القصد والنية، أما تلك التي يبتكرها الإنسان من أجل راحته ومنفعته وتسخير الطبيعة تسخيرا نافعا للإنسان والإنسانية، فهي لا تدخل في مفهوم « البدعة » بالمعنى المشار إليه، بل منها ما هو مرغوب فيه، وقد سمى الفقهاء المحدثات النافعة بـ« البدع الحسنة ». وهناك حديث نبوي يثني على كل من سن سنّة حسنة، فيقول: « من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[22]. والسنة الحسنة والبدعة الحسنة بمعنى واحد. 

وصدق الله العظيم إذ يقول: ) والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر([23].   


[1] التراث والحداثة، د. محمد عابد الجابري، ص: 15-16. ط 1/ يوليو 1991، مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت.

[2] المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين: شكري عياد، سلسلة عالم المعرفة،ص: 17-18، عدد 177 / سبتمبر 1993، الكويت.

[3] التراث والحداثة، محمد عابد الجابري، ص: 16-17.

[4] فرضية الحتمية اللغوية واللغة العربية: عبد الرحمن حامد حمد، عالم الفكر، المجلد 28، العدد 3، ( يناير / مارس 2000 )، ص: 10.

[5] في الأدب والنقد: شوقي ضيف، ص: 112، دار المعارف - القاهرة، 1999.

[6] المذاهب الأدبية والنقدية: شكري عياد، ص:  69.

[7] نقد الحداثة: آلان تورين، ترجمة: أنور مغيث، ص: 29، طبعة 1997، المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة.

[8] البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث: سيد البحراوي، ص: 108-109، طبعة 1993، دار شرقيات - القاهرة.

[9] نقد الحداثة: آلان تورين، ص: 247.

[10] المرجع السابق، ص: 472-473.

[11] التراث والحداثة: محمد عابد الجابري، ص: 45.

[12] المرجع نفسه، ص: 24.

[13] التراث والحداثة: محمد عابد الجابري، ص: 41.

[14] من إشكاليات النقد العربي الجديد: شكري عزيز الماضي، ص: 145-146. طبعة 1997، المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت.

[15] دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية: عباس محمود العقاد، ص: 9.

[16] سورة الأحزاب، الآية: 21.

[17] معتصر المختصر: يوسف بن موسى الحنفي أبو المحاسن، ج 2 ص: 171، عالم الكتب - بيروت.

[18] رواه مسلم في صحيحه، ج 4 ص: 1836 ح 2363، بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

[19] التراث والحداثة: محمد عابد الجابري، ص: 33.

[20] المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية، محمد عابد الجابري، ص: 12، ط1/ ديسمبر 1996، مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، لبنان.

[21] السنة للمروزي، ص: 29، ح 79، بتحقيق: سالم أحمد السلفي، ط 1، 1408، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.

[22] رواه مسلم في صحيحه، ج 2 ص: 705 ح 1017. وابن خزيمة في صحيحه: ج 4 ص: 112 ح 2477، بتحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، 1390-1970، المكتب الإسلامي - بيروت.

[23] سورة العصر.

Posté par triki à 10:22 - Commentaires [0] - Rétroliens [0]